قصة سر العطار ودموع اليتيم في أحد أحياء بغداد القديمة
سر العطار ودموع اليتيم
في أحد أحياء بغداد القديمة، حيث تلتقي الأزقّة الضيّقة كخيوط منسية في ثوب الزمان، كان يعيش عطار يُدعى "صالح بن يونس". عُرف بين الناس بصدقه، وبراعته في صناعة العطور ومعرفته الواسعة بالأعشاب الطبية والكيمياء، فكان الناس يأتون إليه من أطراف المدينة باحثين عن دواء أو رائحة طيبة تُذهب عنهم عناء الحياة.
كان صالح يعيش مع زوجته "هند" في بيت متواضع ورثه عن والده، بيت تغمره رائحة الورد والمسك والعود، لكنه يفتقد ضحكة طفل تُنسيه مرارة الوحدة. فقد عاش سنين طويلة دون ولد، وكان قلبه يتوق لصبيّ يعلمه أسرار الصنعة التي تناقلها آباؤه جيلاً بعد جيل، وخشي أن يندثر علمه إن لم يجد من يحفظه من بعده.
وذات صباحٍ باكر، خرج صالح كعادته إلى دكّانه قبل أن يفتح السوق أبوابه، وبينما كان يسير في أحد الأزقة القريبة من بيته، سمع بكاءً خافتاً يتردد كأنّه ناي حزين. توقف، وتلفّت نحو الصوت، فإذا بصبيّ نحيل، أشعث الشعر، رثّ الثياب، جالس عند جدار متهالك، يدفن وجهه
اقترب صالح منه، وجثا على ركبتيه، وسأله بلطف:
ـ ما بك يا صغيري؟ ما الذي جاء بك إلى هذا المكان في هذا الوقت من النهار؟
رفع الصبيّ وجهه وقد اغرورقت عيناه بدموعٍ لم تجد من يمسحها، وقال بصوت متهدّج:
ـ اسمي حمزة... أمي ماتت منذ عام، وكان أبي طيباً في البداية، لكنه تزوّج امرأةً أخرى، لم تعرف من الرحمة إلا اسمها. كانت تضربني أنا وأختي "نوال" لأتفه الأسباب. وإن اشتكينا لأبي، اتّهمتنا بالكذب والعصيان. وكنا إن تجرّأنا على الرفض، حبستنا في غرفة مظلمة، وتقول إن عجوز الظلام ستأتي لتأكلنا إن لم نُطِع أوامرها.
وضع صالح يده على كتف الصبيّ وقال:
ـ وأين أختك الآن؟ إني لا أراها معك.
أطرق حمزة برأسه وقال:
ـ هربنا سويّةً منذ يومين. في الليلة الأولى نمنا خلف جامعٍ قديم، وفي الثانية تاهت عنّي في السوق... بحثت عنها طويلاً، لكنّي لم أجدها. بتُّ في زقاقٍ لا أعرف اسمه، واليوم سمعت صوتك وركضت نحوك، فلم يبق لي أحد.
شعر العطار بشيء يهتز داخله، كأنّ هذا الطفل طرق باباً
ـ تعال يا حمزة، لن تكون وحدك بعد اليوم.
أخذه معه إلى البيت، استقبلته زوجته هند برحابة صدر، وبعد أن عرفَت قصته، مسحت على رأسه، وقالت:
ـ كأنّه ابننا، بل هو ابن قلوبنا قبل أن يكون ابن بيتنا.
مرت الأيام، وبدأ حمزة يساعد العطار في دكّانه. أبدى ذكاءً فطرياً وقدرة عجيبة على الحفظ والفهم. كان صالح يشرح له خصائص الأعشاب، فيعيدها حمزة كما هي، بل ويطرح أسئلة أدهشت معلمه، وكأنّ الغياب الذي عاناه عوضه الله بفهمٍ لا يُشترى.
وبينما استقرت الحياة شيئاً فشيئاً، لم ينسَ صالح أخت حمزة، فكلما خرج للسوق أو ذهب إلى جامع، أوصى الناس أن يبحثوا عن فتاة ضائعة تُدعى نوال.
وبعد شهرين، طرق باب الدكان رجل غريب، قال إنه قادم من حيّ بعيد، يحمل أخباراً عن فتاة كانت تبيع المناديل في السوق وتبكي كل مساء. ذهب صالح مسرعاً برفقة حمزة، وحين رأى الصبي أخته، ركض نحوها كمن عاد من الموت. تعانقا طويلاً وسط السوق، والناس من حولهم يتهامسون ويبتسمون.
عاد صالح بالأخوين
وفي إحدى الأمسيات، جلس حمزة إلى جوار معلمه وقد شاب شعره، وقال له:
ـ يا عم، ما زلت أذكر صباحك ذاك، حين وجدتني باكياً تحت الحائط، وقلت لي: "تعال يا حمزة، لن تكون وحدك بعد اليوم." صدقت، فما شعرت بالوحدة بعدها أبداً.
تبسّم العطار، ووضع يده على كتفه، وقال:
ـ وما زلتُ أذكر أن الله أرسلني إليك لأحفظ علمي، لكنه منحني فيك ابناً لم تلده زوجتي، وأبقى في قلبي رجلاً ما ندم يوماً أنه فتح باباً لمجهول.
رسالة إلى القارئ:
أحياناً، لا يكون اليُتم في غياب الأهل، بل في غياب من يسمعك إذا بكيت، ويأخذ بيدك إذا تهت. وفي الحياة، قد تأتيك العائلة على هيئة عطر قديم، أو باب يُفتح في زقاق مجهول. فكن عوناً لا عبئاً، واذكر أن دفعة واحدة من الرحمة، قد تغيّر