رواية فتاة قبيحة ازل كاملة جميع الفصول بقلم أمل دانيال

لمحة نيوز

رواية فتاة قبيحة ازل الفصل الأول 
كان اسمها أزل.
زميلتي في المرحلة نفسها في كلية_الطب،
كانت تجلس قربي صدفة، ونتبادل التحية أحيانًا… ولا شيء أكثر من ذلك.
لكن،
كان بيني وبينها فرق شاسع — كما كنت أظن.
فأنا في نظري شاب وسيم، أنتمي إلى عائلة عريقة وثريّة،
أما هي… فكنت أراها عادية الملامح، وربما دون جمال يُذكَر.
لا أنوثة في هيئتها، ولا جاذبية تُلفت النظر،
لكنها كانت خجولة جدًا، وذات صوت هادئٍ حين تتحدث،
صوت فيه رقة لا تتناسب مع قسوة نظرتي إليها.
في أحد الأيام، كنت أسير مع صديقي مرتضى في ممرات الجامعة،
نتحدث عن الكلية، والمحاضرات، والفتيات كعادتنا السخيفة!
ذكرنا أسماء الجميلات، والمعجبات، بل وحتى اللواتي لا نعرف عنهن الكثير.
ثم قال مرتضى:
– وماذا عن أزل؟
أجبته ساخرًا:
– تلك؟! ما شأنها بالجمال؟!
ابتسم مرتضى قائلًا:
– لكنها تبدو طيبة، ومسكنتها تثير الشفقة.
قلت له بغرور:
– إن تزوّجها أحد، فسيكون بدافع الشفقة لا الحب!
وضحكنا… ضحكة متعالية مليئة بالغرور.
لكننا لم نكملها،
فقد رفعت رأسي فجأة،
فرأيتها أمامنا.
تجمّدت مكاني، وشعور غريب اجتاحني… مزيج من القلق، والحرج، والندم.
وسألت نفسي بصوتٍ خافت في داخلي:
"هل سمعت كلماتي؟! هل أدركت أنني كنت أستهزئ بها؟!"

رواية فتاة قبيحة ازل الفصل الثاني
لأوّل مرةٍ في حياتي شعرتُ بالخجل من نفسي…
من تصرّفٍ وُلد من الغرور والجهل.
استأذنت من مرتضى، واتجهت نحو أزل بخطواتٍ مترددة، ثم ألقيتُ التحية قائلًا:
– مرحبًا… كيف حالكِ؟
أجابت باقتضابٍ هادئ:
– بخير، شكرًا لك.
كنت أشعر بقطرات العرق تنساب على جبيني، رغم أن الطقس في نوفمبر كان باردًا!
ولأول مرةٍ في حياتي، لم أجد ما أقوله.
تلعثمتُ قبل أن أتمتم:
– أزل… هل تودين أن نشرب فنجان قهوة معًا؟
ابتسمت بخفة وقالت:
– أعتذر، أنا مشغولة قليلًا.
وما إن همّت بالرحيل حتى ناديتها بصوتٍ متوتر:
– أزل!
توقفت، فقلت سريعًا:
– أعتذر عمّا بدر منّي في ذلك اليوم… كان مزاحًا سخيفًا لا أكثر.
رأيت في عينيها لمعةَ دمعةٍ مكبوتة، وعلى طرف شفتيها ابتسامة باهتة.
قالت بهدوءٍ وجملةٍ كسرتني أكثر مما صفعتني:
– لا بأس أيها الوسيم…
ثم مضت بخطواتٍ ثابتة.
مرّت الأيام، والأسابيع، ثم الشهور… حتى شارفنا على التخرّج.
لكن كل تلك الانشغالات لم تمحُ من ذاكرتي ذلك الموقف مع أزل.
حاولت كثيرًا أن أقترب منها، أن أفتح معها بابًا جديدًا من الودّ، لكن عبثًا!
كانت تتجاوزني ببساطةٍ تامة، وكأن وجودي لا يعني شيئًا.
كنت معتادًا أن تُبدي الفتيات اهتمامًا بي، أن يلاحقن نظراتي،
أما هي — تلك التي نعتُّها يومًا بـ القبيحة فكانت الوحيدة التي لم تعبأ بي مطلقًا.
ومضت الأيام،
تخرّجنا، وغادرنا الجامعة، وقاعاتها، وممرّاتها التي كادت تحفظ أصواتنا.

رواية فتاة قبيحة ازل الفصل الثالث
ثم شاءت الأقدار أن يكون تعييني في المستشفى ذاته الذي تعمل فيه أزل!
لم تتغيّر في تعاملها معي، ولم تلتفت يومًا،
وظلّت في قلبي كـ ذنبٍ عالقٍ لا يُغتفر…
كنت أتمنى فقط نظرةً منها،
لا حبًّا، بل غفرانًا.
وفي يومٍ ما،
وصلني أمرُ استدعاءٍ للخدمة العسكرية الطبية،
وكان عليّ أن أستعدّ للرحيل إلى وجهةٍ لا أعلم متى أعود منها.
وقبل مغادرتي، عزمت أن أراها مرةً أخيرة،
أن أقول ما لم أجرؤ على قوله من قبل.
ناديتها في أحد ردهات المستشفى،
وحين التفتت إليّ، قلتُ بصوتٍ مفعمٍ بكل ما لم يُقال:
– (…)
وقبل رحيلي إلى الخدمة العسكرية، ناديت #أزل في أحد ممرّات المستشفى الذي نعمل فيه.
كانت ترتدي معطفها الأبيض الذي أضفى عليها هيبةً مهيبة،
وحجابًا عسليّ اللون جعل عينيها البُنيّتين تشبهان قهوةً مُرّة محلاة دون سُكر.
تتدلّى حول عنقها سماعتها الطبية كأنها وسامُ ثقةٍ وثبات.
لأوّل مرةٍ، رأيتها جميلةً بحقّ… جميلة بنقاءٍ لم أكن أراه من قبل.
قلتُ بتردّد:
– أزل، أريد الحديث معكِ في أمرٍ ضروري.
أجابت ببرودٍ لطيف:
– تفضّل، يا علي؟
قلتُ:
– سأغادر غدًا للخدمة العسكرية.
فأجابت

باقتضابٍ بارد:
– أي؟
وكأنها تقول لي دون كلمات: وما المطلوب؟
تلعثمتُ، لا أعرف ما أريد قوله أصلًا، ثم قلتُ أخيرًا:
– أريد شيئًا منكِ… يبقى معي إلى الأبد.
ابتسمت بخجلٍ واستغراب وسألت:
– لماذا؟
قلت:
– لا سبب… فقط أرجوكِ، غدًا موعد التحاقي، فافعليها كخدمةٍ أخيرة!
أخرجت من جيب معطفها الأبيض كتيّبًا صغيرًا مكتوبًا على غلافه: «حصن المسلم»،
وقالت برقةٍ وهدوء:
– تفضّل، خذه معك.
تناولتُه منها وأنا لا أعلم أأفرح أم أحزن.
كان في قلبي امتنانٌ عميق، وفي الوقت نفسه شعور بالحرج والخذلان.
تمنّيت لو أنها قابلتني بقسوةٍ لمرةٍ واحدة،
لو أنها ردّت لي صَلفي القديم بكلمةٍ جارحة…
لكنها كانت دومًا جيدة أكثر مما يجب.
شكرتها بإخلاصٍ خافت، فقالت ببساطة:
– موفّق.
ثم غادرت، وغادرتُ أنا بعدها…
ودّعتُ مرتضى، والمستشفى، والممرات التي حفظت خطاي،
كمن يودّع حياةً كاملة، لا مكانًا فحسب.
وضعت كتاب #أزل في جيب قميصي، ومضيتُ إلى المجهول.
ومضت الأيام…
كنت أعالج الجرحى في جبهات القتال،
أُعلن وفاة من لم يحتملوا،
أنام ساعاتٍ معدودة، وآكل ما لا يُؤكل،
أُصاب مرارًا، وأكاد أنهار نفسيًا.
لكن في كل مرةٍ كنت أفتح كتاب أزل،
أقرأ دعاءً… وأتذكّرها.
لم يمرّ يومٌ واحدٌ إلا ودعوتُ لها بصدقٍ لا أعلمه إلا الله.
ثم — بـ معجزةٍ سماويةٍ خالصة —
عدتُ.
وقبل أن أذهب إلى بيتي أو أرى عائلتي،
توجّهت إلى المستشفى بحجّة العلاج.
ما إن دخلت، حتى وقعت عيناي عليها…
كانت تضحك مع مريضٍ مسنّ، كأنها تبثّ فيه الحياة.
اقتربتُ منها بثيابي الملطّخة بالتراب، وببقايا الدم اليابس على جبيني.
لم تترك الحرب على وجهي وسامةً تُذكر،
لكنني لم أبالِ… كل ما أردته أن أراها.
ألقيت التحية، فردّت بابتسامةٍ هادئة:
– مبارك لك عودتك بسلام!
قلتُ بمرارةٍ خفيفة:
– لا تهنّئي أحدًا خرج من الحرب بسلامته… فحتى من عاد، لم يعد كما كان.
ابتسمت وقالت:
– الحرب تجعلك أعمق، يا علي.
سكتنا قليلًا، ثم قلت:
– أزل، شكرًا على الكتيّب الذي أعطيتِني إيّاه… لقد كان أنيسي في ظلام الحرب.
قالت بنبرةٍ جادة:
– عفوًا، لكني لم أُعطِك إياه للأبد، أرجو أن تعيده حين تستريح.

رواية فتاة قبيحة ازل الفصل الرابع
توترت، لا أدري لماذا…
قلتُ محاولًا الابتسام:
– ولماذا؟ أردت أن يحتفظ بي كذكرى منكِ.
قالت بهدوءٍ حازم:
– وأنا لا أريد أن يبقى معك شيء يخصّني أبدًا.
تسارعت أنفاسي، وأخرجت الكتيّب من جيبي وقدّمته لها.
ابتسمت بخفة وقالت:
– شكرًا.
ثم عادت لعملها كما لو لم يحدث شيء.
غادرتُ لأودّع أصدقائي في المستشفى،
استقبلوني بفرحةٍ صادقة، كأنهم عائلتي لا زملائي.
كنت أشعر أنني ولدتُ من جديد.
وفي نهاية اليوم، جلستُ مع مرتضى، وضعتُ يدي على كتفه، واقتربت من أذنه وهمست:
– قل لي يا مرتضى… هل تزوّجت #أزل؟
قلتُ لصديقي مرتضى:
– هل تزوّجت #أزل؟
نظر إليّ بدهشة وقال مازحًا:
– ماذا جرى لموازين الكون؟! علي يسأل عن أزل؟!
قلتُ له بحدّة:
– كفّ عن السخرية وأجبني فقط! هل تزوّجت؟!
فقال ضاحكًا:
– لا، لم يُشفِق عليها أحد بعد ويتزوّجها، هه!
نظرت إليه بغضبٍ وكأن كلماته أصابت شيئًا بداخلي، ثم قلت:
– هراء!
وتركتُه ومضيت إلى البيت، أبحث عن راحةٍ وهمية كما زعموا.
كنت مصابًا ببعض الجروح الطفيفة، عالجتُها بنفسي دون حاجةٍ إلى طبيب.
منحتني الدولة أربعة عشر يومًا من الإجازة، لكني لم أتحمل البقاء أكثر من يومين.
قضيتُهما نائمًا… ثم عدت إلى عملي في المستشفى بلا سببٍ واضح.
ربما كنت أعلم في داخلي أن الحروب النفسية أشدّ قسوةً من حروب السلاح،
وأن التفكير في إنسانٍ واحد… قد يكون أوجع من رصاصةٍ في الجسد.
حين وصلتُ إلى المستشفى، كان الصباح ما يزال غضًّا من أيام ديسمبر.
توجهت مباشرة إلى القسم الذي تعمل فيه،
كانت منشغلة بسماع نبض مريضةٍ عجوز،
اقتربتُ منها، وألقيت التحية قائلًا:
– صباح الخير… دعيني أساعدكِ في فحصها.
قالت بهدوءٍ معتاد:
– لا داعي، حالتها بسيطة.
لكنني أصريت، وفعلت بالفعل.
قرأنا ملف

المريضة سويًا، وناقشنا حالتها، وأعطيت رأيي الطبي…
كانت حالة خفيفة لا تستدعي القلق.
وقبل أن أرحل، نادتني العجوز قائلة:
– دكتور…!
التفتُّ نحوها وقلت بابتسامة:
– نعم يا خالة، تفضّلي.
قالت بابتسامةٍ حنونة:
– بنيّ، أنت طبيب الأجساد… لكني طبيبة القلوب.
لم أكن في مزاجٍ يسمح لي بالحديث، لكن عبارتها اخترقتني.
قلت بدهشة:
– وماذا تعنين؟
قالت بابتسامة الأمهات:
– أنت تحب تلك الطبيبة، أليس كذلك؟
تجمّدت في مكاني، لم أجد ما أقول.
اكتفيتُ بإيماءةٍ صامتة وغادرتُ.
خرجت إلى حديقة المستشفى، وجلست وحدي أحتسي كوب شايٍ دافئ.
كانت الحديقة صغيرة وبسيطة، لكنها هادئة بما يكفي لأسمع قلبي.
ترددت في ذهني كلمات العجوز:
(نعم… أنا أحبها. أحببتها بصدق. تلك التي نعتّها يومًا بالقبيحة!)
فقررتُ أن أُصارحها.

رواية فتاة قبيحة ازل الفصل الاخير
عدت إلى الداخل مسرعًا، لم أُحضّر كلماتي، ولم أُفكر بعواقبها.
رأيتها أمامي كأن القدر يصرّ على جمعنا دائمًا.
قلت بانفعالٍ واضح:
– أزل!
التفتت إليّ بدهشةٍ خفيفة وقالت:
– نعم، يا علي؟
تلعثمت، الكلمات تختنق في حلقي… ثم قلت:
– لا أدري كيف أبدأ، لكن…
– هل المريضة التي تركتك معها بخير؟
سؤالها أربكني أكثر، فتلعثمت قائلًا:
– ن-نعم… بخير، لكن الحقيقة…
قاطعتني بنبرة قلقة:
– علي، ما بك؟ قل ما لديك.
تنفستُ بعمق، ثم قلتها أخيرًا:
– أزل، أنا أحبك!
رأيت الصدمة في عينيها، في نظرتها، في ارتباك يديها.
تابعتُ بصوتٍ متحشرج:
– أحبك بصدق… وأريد الزواج منك.
سكتت لحظة، ثم قالت ببرودٍ هادئٍ كطعنةٍ لينة:
– شفقةً عليّ، أيها الوسيم؟
ألستُ أنا الفتاة القبيحة التي سخرتَ منها ذات يوم؟
ثم استأذنت وغادرت، تاركةً قلبي معلّقًا في الفراغ.
مرّ بي مرتضى مصادفة، فرأى وجهي الشاحب وقال مازحًا:
– ما بك؟ تبدو كأنك خرجت للتو من الجبهة لا عائدًا منها!
نظرت إليه وقلت بصدقٍ موجع:
– مرتضى، أنا أحبها… وأريد الزواج منها، مهما كلّفني الأمر.
رفع حاجبيه بدهشةٍ وقال:
– من هي؟
قلتُ بحزم:
– أزل.
أخبرته بكل شيء… عن ندمي، وعن لحظة إدراكي لخطئي،
عن طيبتها وصبرها، عن جمالها الذي لم أره إلا بعد أن أغمض الغرور عينيّ،
عن نظرةٍ منها صارت لي حلماً لا يُنسى.
ابتسم مرتضى وقال:
– سأساعدك، يا صديقي.
وبالفعل…
تحدث إليها عني، عن حبي الذي نما ببطءٍ وثبات، كجذور شجرةٍ عتيقة لا تقتلعها الرياح.
عن ندمي، وعن رغبتي في البدء من جديد.
قضينا شهورًا على هذا الحال.
كنت أحاول، وأقترب، وأتودد، دون مللٍ أو يأس.
زرت أهلها، وتحدثت إلى صديقتها المقرّبة،
ساندتها في عملها، وكنت لها عونًا في كل لحظة.
أخبرتها مرارًا:
– لن أتعب من الرفض، حتى ترضي.
وفي مساءٍ من مساءات يونيو،
كانت أزل تقرأ كتابًا في غرفة الأطباء.
دخلت وجلست إلى جوارها، وقلت بابتسامةٍ هادئة:
– إلى متى؟
رفعت رأسها ونظرت إليّ بثقةٍ لا تخلو من الغموض، وقالت:
– إلى يوم غد.
وقفتُ متعجبًا:
– ماذا تعنين؟
قالت:
– أعني ما قصدته أنت.
ابتسمت وقلت:
– هل هذا يعني أنكِ ستوافقين غدًا؟
قالت وهي تغلق الكتاب:
– من قال إنني سأوافق… أو أرفض؟
سأردّ عليك غدًا.
ثم تركتني بين الفرح والقلق، بين الرجاء والخوف…
منتظرًا الغد، بكل ما في قلبي من حياة.
في تلك الليلة
على الرغم من محاولاتي الكثيرة، ومن حبوب المنوّمات ومهدّئات الأعصاب ومسكنات الألم، إلّا أن جفني لم يذق النوم.
انتظرتُ شروق الشمس، فحين تشرق ستأتي أزل.
وأتى الصباح... مارست طبيبتي عملها بهدوءٍ واعتياديةٍ غريبة، وكأن شخصًا لا ينتظر، وكأن كلامًا لم يُقال قط.
وعند الثانية ظهرًا، قبل نهاية الدوام، ذهبت إليها. كانت تضع أغراضها في أماكنها، تستعدّ للمغادرة.
فقلتُ:
– أزل، كيف حالك؟
لأول مرة شعرتُ بأن هذه الفتاة مضطربة إلى هذا الحد، مترددة في الكلام، متلعثمة في الجمل.
ردّت وهي تفرك يديها خجلًا أو خوفًا:
– الحمد لله، وأنت؟
قلتُ:
– أزل، أنا ما زلتُ أنتظر جوابك!
قالت بصوتٍ منخفض:
– لا أعلم ماذا أقول لك.
– قولي لي

ما عندكِ إذن.
صمتت قليلًا ثم قالت:
– في الحقيقة يا علي، فكّرت كثيرًا منذ أن صارحتني، وأنا أتساءل... هل يمكنني الزواج من متنمّر، متكبر، متغطرس بوسامته التي سيفنيها الكِبَر؟ هل يمكنني أن أبني معه أسرة؟
وجملتك القاسية تلك، أكون كاذبةً إن قلت إنّي نسيتها يا علي. كلامك عن قبح مظهري بناظريك، وعن الشفقة... أقل ما يوصف به أنه كان خنجرًا في قلبي.
أعلم أنني لا أملك معايير الجمال، لكن صدّقني، لو كان الأمر بيدي، لأبقيتُ منظري كما هو... فأنا راضيةٌ عن نفسي، وراضيةٌ جدًا.
ثم سكتت قليلًا وقالت:
– لكن، أنت؟
فقاطعتها وأنا أتنفّس بصعوبة:
– أزل يا حلوتي، أنا راضٍ بكِ، جملتي كانت سطحية، لم أكن أعرفك بعد، لم أرَ جمال قلبك ولا نقاء روحك. أريدك بصدق. ستكونين جميلة جدًا بالفستان الأبيض، وأمًّا رائعة لأطفالي. أرجوك يا أزل، لا تحرميني قلبكِ الياسميني على ذنبٍ قديم!
ابتسمت قائلة:
– صحيح أني لن أنسى جرحك ذاك، وصحيح أنه أبكاني كثيرًا وجعلني أنظر إلى المرآة عشرات المرات في اليوم، لكن بالمقابل... النفس تميل لمن يستثنيها.
لن أنسى استثناءاتك لي، نظراتك، اهتمامك، وحنية قلبك المتعجرف، وصبرك عليَّ شهورًا طويلة ومحاولاتك المتكرّرة.
شعرتُ بالدم يسري في عروقي وقلت:
– هل هذا يعني أنكِ موافقة؟
فرفعت حاجبها الأيسر بابتسامة خفيفة وقالت:
– من قال موافقة؟ قلت فقط إنّي لن أنسى!
فقلتُ متوسلًا:
– لكن يا أزل، أنا أحببتكِ والله.
احمرّ وجهها خجلًا حتى بدا كحبة طماطم، وقالت وهي تتهرّب بنظراتها:
– لكن يا علي... أنا موافقة.
يا لعظمة تلك اللحظة بالنسبة لي! رهبة أن تكون ملكي في النهاية، أن لا تضيع كل تلك المحاولات سدى، أن أصل بعد كل الندم إلى غايتي...
ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت في سري:
الحمد لله.
ثم...
تقدّمت لطلب يدها من الرجل الذي ربّاها، وقلت له:
– أريد جميلتك الأميرة أزل، لتكمل جميلتي كملكة.
وأُعلنت خطبتنا رسميًا وسط انبهار الجميع. ضحكنا سويًا على غروري القديم حين وصفتها بالقبيحة، وصرت ممتنًا لذلك الموقف، فهو ما جعلني أرى الجمال الحقيقي فيها.
احتفلنا بخطبتنا احتفالًا بسيطًا، لكن مليئًا بالحب والتفاصيل. كانت المرة الأولى التي أراها بهذا القدر من الجمال. ارتدت فستانًا خمريًّا، وضعت كحلًا خفيفًا وأحمر شفاه، وتوّجت شعرها بإكليل وردٍ ناعم.
لطالما أحببت بساطتها، بل إن أكثر ما شدّني إليها هو أنها لم تحاول يومًا أن تشدّني إليها.
ضحكت معها من قلبي، وشعرت أني وُلدتُ من جديد. عملنا معًا في المستشفى، وتحدثنا عن تلك العجوز التي عالجناها سويًا، وخطّطنا لحفل الزفاف بعد شهور قليلة.
حتى إننا اخترنا أسماء أطفالنا الذين لم يولدوا بعد؛ قررت أن أسمي ابنتي "أزل"، أردتها أن تكون كوالدتها اسمًا ومسمّى.
فاسم أزل يعني "الدوام الذي لا بداية له"، وكذلك كان حبّي لها...
عشت أجمل أيام عمري معها. حلمتُ بها كعروسي، وشكرت الله على عطاياه السماوية.
لكن بعد شهرٍ واحد فقط، شعرت بتغيّرها. لم تعد سعيدة بوجودي، ولم تعد تلك الجورية المتفتحة كما كانت. أصبحت صامتة، غريبة، تتجاهلني في المستشفى.
حاولتُ أن أفهم السبب منها، ومن أهلها، ومن صديقاتها... لكن دون جدوى.
وفي يومٍ كانت تستعدّ فيه للمغادرة، أوقفتها وقلت:
– أزل، حبيبتي، ما بكِ؟ هل أخطأت بحقك؟
فقالت بهدوء:
– لا يا علي، لا تفكر بهذه الطريقة، لكنني متعبة قليلًا.
اقتربتُ منها، وما إن نظرت إليّ حتى انهارت بالبكاء، وقالت بصوتٍ مبحوح:
– أريد أن ننفصل!
مسحت المطر الغزير الذي انهمر من عينيها، ولم أجادلها، فقط حاولت أن أستوعبها.
بكت طويلًا... كمن يبكي عن عمرٍ بأكمله، وحين هدأت، قالت لي آخر ما كنت أريد سماعه في حياتي:
– اكتشفتُ مؤخرًا إصابتي بسرطانٍ شرس، التهم أجزاءً من جسدي.
لم أستطع أن أنطق بحرف. بعض الحزن لا يُعبَّر عنه إلا بالدموع، فلم أفعل سوى أن شاركتها البكاء.
بكيتُ كثيرًا... كطفلٍ فقدَ أمه، كفاقدٍ لكل الدنيا.
حتى تغيّرت الموازين، وجلست أزل تواسيني
أنا!
ومضى شهرٌ واحد فقط... ثم ودّعت فيه أزل إلى مثواها الأخير.
دفنتُ حلمي معها، دفنتُ فستان الزفاف الذي لم ترتده لي، ودفنتُ ابنتي التي لم تُكتب لها الحياة.
لا أذكر أني بكيت في حياتي كما بكيت بعدها.
رحلت أزل رحيلًا مبكرًا جدًا... وكأنها أقسمت ألا تكون لي حتى وإن كانت، وكأنها أصرّت أن تبقى حسرتي الأبدية.

 

تم نسخ الرابط