حين تأخر الحب لم أكن أبًا صالحًا ولا حتى أبًا سيئًا فحسب
حين تأخر الحب
لم أكن أبا صالحا ولا حتى أبا سيئا فحسب. كنت شيئا أسوأ من ذلك رجلا فقد إنسانيته دون أن يدرك وانشغل عن قلب صغير ظل يناديه لسنوات ولم يجب.
توفيت زوجتي الأولى بعد أن تركت لي ابنة واحدة رقية.
كانت في السادسة من عمرها لثغتها في الكلام تجعل كل جملة منها كأنها محاولة فاشلة للغناء. كانت تضحك بصوت مرتفع تركض بين الغرف تدخل علي وأنا نائم تعبث بوسادتي تلون دماها على الأرض كنت أصرخ في وجهها كل مرة وأحذرها من دخول غرفتي لكنها لا تبالي.
لم أكن أحبها.
بل كنت أنفر منها دون سبب مفهوم. كنت أراها قبيحة غريبة الملامح مزعجة الصوت. لم أحتمل النظر في وجهها طويلا. كنت أراها تكرارا مشوها لوجه أمها التي فقدتها أو ربما مرآة لما فقدته أنا من رحمة.
وفرت لها كل شيء غرفة مليئة بالألعاب الثياب الجديدة الطعام المال حتى وصية أمها نفذتها بحذافيرها إلا شيئا واحدا الوقت.
لم أمنحها ساعة واحدة من وقتي. كنت أتهرب من الخروج معها بحجة العمل بينما في الحقيقة كنت أهرب من نفسي.
تزوجت مرة ثانية ظننت أن زوجتي الجديدة ستملأ الفراغ بيني وبين ابنتي. كانت طيبة حنونا على نحو يثير الغرابة.
ذات ظهيرة عدت من عملي متعبا
أبي أبي استيقظ!
فتحت عيني غاضبا وصفعتها دون تفكير.
سقطت أرضا وتبعثر الصحن الذي كانت تحمله في يديها الصغيرة.
حملتها إلى غرفتها وضعتها على سريرها وعدت لأنظف الأرض كأن شيئا لم يحدث.
حين عادت زوجتي قالت
أين رقية
قلت نائمة.
قالت بهذه السرعة لم تأكل شيئا اليوم. قالت إنها لن تأكل حتى تأكل معك. كانت تقول سأطعم أبي بيدي مثلما كانت تفعل أمي.
تجاهلت الكلام وخرجت. لم أرد أن أسمع. لم أرد أن أشعر.
في الليل وجدت عشرين رسالة من زوجتي
حرارة رقية ترتفع.
لم تستيقظ بعد.
أرجوك عد.
لكنني لم أرد.
ظننتها مبالغة نساء.
حتى حين طلبت أن نخرج غدا للنزهة قالت لن أذهب حتى تشفى ابنتنا.
ضحكت في نفسي ابنتنا! كم تثير سخريتي!
وفي المساء حين عدت كانت رقية تقف عند باب غرفتي بصحن من الأرز.
أبي لن أدخل حتى تسمح لي. أبي كل معي بعض الالز كل من يدي يا أبي.
لم أجبها.
صمت حتى انقطع صوتها.
وحين خرجت وجدتها ممددة على الأرض والزجاج والأرز متناثر حولها.
حملتها زوجتي إلى غرفتها ثم عادت تصرخ في وجهي
لماذا لم تحملها أنت أليست ابنتك
لكنني كنت متبلدا كحجر.
وفي اليوم التالي ألحت
رفضت في البداية ثم رضخت أخيرا.
قال الطبيب إنها حمى عادية.
عدنا للبيت وخرجت الصغيرة لتلعب مع أطفال الحي.
في المساء وبينما كنت أقترب من المنزل شعرت بدوار مفاجئ وسقطت.
نزف رأسي دما غزيرا.
ورقية رقية كانت أول من ركض نحوي.
أبي أبي قم. هل أغمضت عينيك لأنك لا تريد رؤيتي أرجوك قم يا أبي. رقية لن تزعجك بعد اليوم.
سقطت دموعها على صدري ويديها الصغيرتان تمسكان بيدي. كنت أسمعها ولا أستطيع الرد. ثم غبت عن الوعي.
استيقظت في المستشفى.
زوجتي تجلس بجانبي بعينين متعبتين ورقية نائمة عند طرف السرير تمسك بيدي.
أبي لا تتركني وحدي.
حين حاولت النهوض أوقفني الطبيب قائلا إنني فقدت دما كثيرا.
سألت زوجتي كم مضى من الوقت.
قالت بصوت متحشرج
يومين أنا ورقية لم نفارقك لحظة.
ثم أضافت وهي تبكي
كانت تراقبك طوال الوقت. تلمس وجهك وتقول أبي جميل جدا أنا أحبك يا أبي.
تكسر شيء بداخلي.
كل ما كنت أهرب منه طوال ست سنوات عاد دفعة واحدة.
تذكرت زوجتي الراحلة وصيتها بأن أعتني برقية.
أدركت فجأة أنني كنت الوحش الحقيقي وأن الطفلة التي كرهتها لم تكن إلا ملاكا صغيرا ظل يغفر لي في صمت.
رأيتها نائمة وجهها
لم تكن قبيحة كنت أنا القبيح.
لم تكن مزعجة كنت أنا الأصم عن نداءات قلبها.
بكيت كثيرا كطفل كخاسر كأحمق أدرك متأخرا أن الجمال ليس في الملامح بل في النقاء الذي لم يره في حينه.
وعدت نفسي أن أعوضها عن كل لحظة أهملتها فيها أن أكون لها أبا تستحقه.
بعد أيام حين خرجت من المستشفى وعدتها برحلة صغيرة مع أمها. كانت أسعد من رأيت.
لكن حين عدت من العمل عصر ذلك اليوم كان البيت مظلما صامتا على نحو غريب.
سمعت بكاء عند الباب خرجت مسرعا فوجدت زوجتي منهارة على الأرض.
رقية قالت وصوتها يرتجف.
ماذا بها
سيارة دهستها وهي تلعب مع الأطفال.
تجمد العالم.
ركضت تعثرت سقطت نهضت حتى وصلت إلى الشارع.
كان الناس مجتمعين حول جسد صغير. دفعتهم حملتها وصرخت من أعماق قلبي
رقية! لا تتركيني! أحبك يا ابنتي سامحيني!
ثم سقطت مغمى علي.
استيقظت بعد ساعات على وجهها الصغير يلامس صدري وهي تهمس
قم يا أبي سيفوتنا موعد النزهة.
كانت حية.
كانت تبتسم.
كانت تناديني ب أبي.
بقوة وقلت لها والدموع تبلل وجهي
أحبك يا سعادتي.
لم أعرف إن كنت أحلم أم استيقظت لكني علمت شيئا واحدا
أن الله منحني
قبل أن يوقظني القدر هذه المرة على فقد لا رجعة بعده