الميزانية الختامية لحياتي رسالة من امرأة مسنة تخاطبنا جميعًا
الميزانية الختامية لحياتي رسالة من امرأة مسنة تخاطبنا جميعا
رسالة مجهولة شهادة إنسانية عالمية
أنا امرأة في الثانية والثمانين من عمري.
لدي أربعة أبناء أحد عشر حفيدا وحفيدان من الجيل الثالث.
وغرفة واحدة بمساحة اثني عشر مترا مربعا.
لم يعد لدي منزلي الخاص.
ولا أشيائي التي أحببتها يوما.
شخص آخر هو من يرتب سريري ويطهو طعامي ويقيس ضغطي ويزن جسدي.
وفي كل مساء عندما يسود الصمت الممرات أدرك أن الزمن قد سلبني كل شيء شيئا فشيئا.
كل شيء باستثناء ذاكرتي التي تكون أحيانا نعمة وأحيانا لعنة.
لم أعد أسمع ضحكات أحفادي وهم يركضون في أرجاء البيت
ولا أرى أبنائي يتجادلون ثم يتعانقون.
بعضهم يأتي كل خمسة عشر يوما
وآخرون كل ثلاثة أو أربعة أشهر
وآخرون لا يأتون أبدا.
وأنا أنتظر دون غضب ولكن بذلك الحنين الحزين الذي
حنين من قدمن كل شيء ولم يتبق لهن سوى الانتظار.
لم أعد أطبخ الكروكيت أو البيض المحشي
ولا أطرز بالإبرة والخيوط
ولا أعد لفائف اللحم التي كانت تجعل غداء العائلة يوما احتفالا.
أحاول الآن أن أشغل نفسي بما أستطيع سودوكو قراءة أشغال صغيرة.
لكن يداي ترتجفان وذاكرتي تضيع بين الذكريات.
يقولون إن الحياة أصبحت أطول.
وأنا أتساءل لماذا
إن كان ما يطول فيها هو الوحدة فما الفائدة
أشارك في جلسات العلاج الوظيفي وأحاول مساعدة من هم أسوأ حالا مني.
لكنني لا أريد أن أتعلق كثيرا بأحد هنا الناس يرحلون فجأة
من دون حتى فرصة لوداع بسيط.
وفي كل مرة أحمل معي ألما جديدا صغيرا لكنه حاد كإبرة في القلب.
ما تبقى لي الآن هو الصور.
على الأقل تلك لا ترحل.
أنظر إليها فأسمع الأصوات من جديد
أرى أعياد الميلاد
البيت المليء بالناس المائدة الكبيرة وفوضى الحياة الجميلة.
اللمسات الأيدي المتشابكة الأطفال يسألونني
جدتي هل تحكين لي قصة
الآن أحكي تلك القصص لنفسي بهدوء
حتى لا أنسى من كنت يوما.
الرسالة التي يجب أن نقرأها جميعا
تنبض هذه الرسالة بقوة صامتة مؤثرة وواضحة كالنور.
امرأة في الثانية والثمانين من عمرها محصورة في غرفة صغيرة
تقول ببساطة تمزق القلب ما نخشى نحن صغارا وكبارا أن نواجهه
الوقت يمضي والحب إن لم نغذه يذبل.
هذه ليست شكوى
بل شهادة.
صوت جيل أعطى كل ما لديه بنى العائلات ضحى بالأحلام ربى الأبناء
ثم وجد نفسه في غروب العمر يعد الأيام والزيارات.
وحدة المسنين ليست مأساة مفاجئة
إنها نتيجة لعادات صغيرة من اللامبالاة
تلك التي تجعلنا نؤجل مكالمة أو زيارة أو كلمة أحبك
ظنا
لكن الوقت كما تكتب هذه المرأة ليس أبديا.
والحياة الحياة الحقيقية تقاس فقط بما نقدمه للآخرين.
أتمنى أن تفهم الأجيال القادمة أن العائلة تبنى لتمنح الغد معنى
ولترد لآبائنا بعضا من الوقت الذي منحونا إياه ليربونا.
لا تحتاج هذه العبارة إلى تفسير طويل
يكفي أن ندرك أن الحب ليس شعورا بل التزام.
رسالة هذه المرأة ليست عتابا بل تذكيرا لنا جميعا
أن الرفاهية الحقيقية في الحياة ليست البيوت ولا السفر ولا المال
بل الناس أولئك الذين قد لا نجد الوقت لاحتضانهم يوما ما.
فقبل أن يفوت الأوان
فلننهض لنتصل بهم لنزورهم لنريهم أننا ما زلنا هنا.
لأن لا سودوكو ولا علاج ولا صورة
يمكن أن تعوض دفء يد ابن أو حضن حفيد أو لمسة حياة حقيقية.
قد تكون غرفتها صغيرة
لكن الرسالة التي تركتها
الثروة الحقيقية في الحياة هي الحب الذي يبقى.