كان الأب حين كان أطفاله ما يزالون صغارًا
كان الأب، حين كان أطفاله ما يزالون صغارًا، يحب أن يقول لهم بنبرة غامضة:
ــ عندما تبلغون جميعًا الثانية عشرة، سأكشف لكم سر الحياة.
ومضت السنوات، حتى بلغ الابن الأكبر الثانية عشرة من عمره، وقد امتلأ قلبه بالترقب، فذهب إلى والده وقال:
ــ أبي، لقد وعدتني بأن تخبرني اليوم بسر الحياة.
نظر إليه الأب بجدية وقال:
ــ هذا صحيح. لكن استمع جيدًا، لأن ما سأقوله لك يجب ألا تخبر به إخوتك بعد.
ثم أضاف:
ــ سر الحياة هو هذا: البقرة لا تُعطي الحليب.
حدّق الفتى في والده في دهشة.
ــ ماذا تعني؟ بالطبع البقرة تُعطي الحليب!
هزّ الأب رأسه وقال:
ــ لا يا بُني، البقرة لا تُعطي الحليب. عليك أن تأخذه.
عليك أن تستيقظ في الرابعة صباحًا، وتخرج في الظلام، وتعبر الوحل، وتربط ذيلها،
عندها فقط، وبالجهد، ستحصل على الحليب.
ثم ختم حديثه قائلاً:
ــ هذا هو سر الحياة الحقيقي.
لن يُمنح لك شيء بحق، أو بسحر، أو بصدفة.
هذا الجيل تعلم أن يظن أن كل شيء سهل، تلقائي، مستحق.
وأن مجرد الرغبة في الشيء تكفي للحصول عليه.
لكن هذا غير صحيح.
الحياة لا تعطيك شيئًا ما لم تواجهها، وتنهض، وتعمل من أجله.
السعادة ثمرة الجهد، والنجاح ابن المثابرة.
أما الذين ينتظرون من يأتيهم بالحليب فسيظلون يشاهدون… وأيديهم فارغة.
لهذا من المهم أن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن لا شيء يأتي بلا جهد.
لا الحكومة، ولا الأهل، ولا القدر سيمنحهم ما يريدون.
يجب أن يتعلموا العمل.
أن يكسبوا ما له قيمة.
أن يستحقوا غدهم بأيديهم.
وتذكّر دائمًا:
البقرة لا تُعطي الحليب.
يجب أن تُحلب
سر النور
كان الجد، كل ليلة، لما يجتمع أحفاده حواليه تحت ضوء المصباح القديم، يحب يقول لهم بنفس غامضة:
ــ لما تكبروا كلكم، هقولكم السر اللي بيخلي النور يشتعل.
كبرت الأيام، ووصل الحفيد الكبير لسن الخامسة عشرة، فدخل على جده وقال له بحماس:
ــ جدو، وعدتني لما أكبر تقولّي السر اللي بيخلي النور يشتعل.
ابتسم الجد، وقال بهدوء:
ــ فعلاً، جه وقت السر... بس اسمع كويس، السر ده مش مجرد كلام.
ثم نظر له بجدية وقال:
ــ السر هو إن المفتاح لا يُنير الغرفة.
اتسعت عينا الحفيد بدهشة:
ــ إزاي يعني؟ المفتاح هو اللي بيشغل النور!
ضحك الجد وقال:
ــ لأ يا بني، المفتاح ما بينورش حاجة… هو بس “يسمح” للنور يدخل.
لو السلك مقطوع،
قعد الجد يعد على صوابعه وقال:
ــ النور محتاج تلات حاجات:
شغل من اللي مدّ الأسلاك، ومجهود من اللي صنع المصباح، ورغبة حقيقية من اللي دايس على المفتاح.
ساعتها بس، بيتخلق النور.
وبعدين أكمل كلامه بصوت مفعم بالحكمة:
ــ في الحياة يا بني، المفتاح هو رغبتك…
لكن الرغبة لوحدها مش كفاية.
محتاج جهد، ومحتاج صبر، ومحتاج استعداد إنك “توصل الأسلاك” بنفسك.
أما اللي بيفتكر إن مجرد إنه عايز يبقى ناجح، أو سعيد، أو محبوب، هو كده جاهز…
فده زي اللي بيلف المفتاح في ضلمة ومش عايز يتحرك يصلح العطل.
الحياة مش هتنورلك إلا لما توصلها بعرقك.
ثم نظر الجد لأحفاده واحدًا واحدًا وقال:
ــ افتكروا
اللي بينورها هو العمل اللي وراه.