الأختان الصغيرتان طلبتا مني أن أتبناهما ما زلت أذكر رائحة مسحوق الغسيل

لمحة نيوز

الأختان الصغيرتان طلبتا مني أن أتبناهما
ما زلت أذكر رائحة مسحوق الغسيل الرخيص وخبز الفرن الطازج في ميتم سان خوسيه.
ذهبت إلى هناك في ذلك الثلاثاء لأن شركتي كانت بحاجة إلى صور لحملة عيد الميلاد.
فقط هذا.
التقط بضع صور لأطفال يبتسمون صافح المديرة ثم أعود إلى حياتي.
لكنني رأيتهما.
كانت لوسيا في السابعة تمسك بيد أختها الصغيرة صوفيا كما لو كانت الشيء الحقيقي الوحيد في هذا العالم.
كانت صوفيا بالكاد تبلغ الخامسة بعينين واسعتين كأنهما تبتلعان كل حزن الكون.
كانتا جالستين في زاوية الفناء بعيدا عن ضجيج بقية الأطفال.
قلت وأنا أعدل الكاميرا
ألا تودان اللعب
هزت لوسيا رأسها بينما نظرت إلي صوفيا بنظرة جعلتني أنزل الكاميرا.
هل تعيش في بيت سألت الصغيرة.
نعم في شقة.
مع عائلتك
ابتلعت ريقي بصعوبة.
فقط أنا وحدي.
لا أعرف لماذا قلت الحقيقة.
ربما لأن عيونهما لم تكن تحكم علي كانت فقط تراني.
على مدى الأشهر الثلاثة التالية كنت أعود كل أسبوع.
في البداية قلت لنفسي إن السبب هو إنهاء التقرير
ثم لجلب بعض الكتب
ثم لأنني صدفة كنت بالقرب.
كذب.
كنت أعود لأن لوسيا تنتظرني عند النافذة
ولأن صوفيا بدأت تناديني سينيور ماتيو بابتسامة تنير المكان كله.
قالت صوفيا ذات مساء وهي جالسة على حجري بينما تراقبنا لوسيا بصمتها المعتاد
هل تعرف كيف ترسم تنينا
لست جيدا جدا في ذلك.
لا بأس أمي لم تكن تعرف أيضا لكنها كانت ترسم لي واحدا كل ليلة.
شعرت بغصة في حلقي.
هل تفتقدينها كثيرا
هزت رأسها بالإيجاب.
لوسيا تقول إنه لا يجوز أن ننساها. أمي قالت لنا أن

نبقى دائما معا مهما حدث.
اقتربت لوسيا وفي عينيها وقار لا يليق بعمرها.
الشهر الماضي حاولوا أن يفرقونا قالت بحزم.
عائلة أرادت أن تتبنى صوفي فقط لأنها أصغر.
المديرة قالت إننا محظوظتان وإنه لا يجب أن نكون أنانيتين.
وماذا حدث
عضضت يد الرجل لما حاول يأخذها أجابت دون خجل. فتركونا معا.
ضحكت رغم أن صدري كان يؤلمني.
وفي ديسمبر تغير كل شيء.
استدعتني المديرة إلى مكتبها.
قالت إن هناك احتمالا بعض الأوراق فقط.
أنا أعزب نعم لكن عندي عمل ثابت وسمعة طيبة.
إن كنت حقا تريد ذلك
ثم أضافت وهي تنظر من فوق نظارتها
البنتان تسألان عنك باستمرار خاصة لوسيا.
تلك الليلة لم أنم.
فكرت في شقتي الصغيرة ذات الغرفة الواحدة
وفي عملي الذي يتطلب السفر نصف الشهر
وفي معنى أن تغير الحفاضات وتساعد في الواجبات وتحضر اجتماعات المدرسة
وفي كل ما لا أعرفه عن الأبوة.
فكرت في حريتي.
وفكرت في فتاتين صغيرتين لا تملكان في العالم إلا بعضهما.
عدت إلى الميتم يوم الجمعة.
كانتا في الحديقة وحين رأياني ركضتا نحوي.
قفزت صوفيا إلى ذراعي بينما توقفت لوسيا في منتصف الطريق وكأنها قرأت وجهي.
قالت صوفيا وهي تتشبث بعنقي
إنت هتتبنانا صح حلمت امبارح إننا ساكنين في بيتك وإنت بتعمل لنا بان كيك بالشوكولاتة.
لم تقل لوسيا شيئا. فقط نظرت إلي.
ركعت أمامهما وقلت
اسمعاني أنا جاي أودعكم.
الصمت كان أثقل من أي شيء.
همست صوفيا
هتسيبنا
لفترة شغلي بس أنا
قاطعتني لوسيا بصوت قاس لكنه يرتجف من الدموع
إنت زيهم كلهم. كلهم بيقولوا هيرجعوا وما بيرجعوش.
لوسيا
لا! انت خلتنا نحس إننا
مهمين إن في حد أخيرا عايزنا!
أنا عايزكم
طب ليه ما تفضلش ليه مافيش حد بيكمل معانا!
بدأت صوفيا تبكي لكنها لم تتركني.
أما لوسيا فركضت نحو المبنى.
حاولت أتبعها لكن المديرة أوقفتني.
اتركها لازم تستوعب بطريقتها.
احتجت عشرين دقيقة عشان أقدر أفصل صوفيا عني.
وحين فعلت مسحت دموعها بيدها الصغيرة وقالت بصوت خافت
هترجع بجد
ما كانش المفروض أعدها لكني فعلت.
هارجع. بوعدك.
هزت رأسها وعرفت إنها مش مصدقة.
وعند الباب لقيت لوسيا قاعدة على السلم.
ما رفعتش نظرها.
قالت بهدوء
آسفة إني صوتت عليك.
ما تعتذريش.
لازم أمي كانت بتقول إن الزعل ما بيحلش حاجة.
مسحت دموعها بكمها.
بس كنت فاكرة إنك مختلف.
جلست جنبها.
لوسيا بصيلي.
رفعت وجهها ببطء.
قلت
هارجع. مش عارف إمتى ولا إزاي بس هلاقي طريقة. تمام
نظرت إلي طويلا.
بتوعدني
بوعدك.
مدت إصبعها الصغيرة وشبكت إصبعي فيها.
مر شهران.
أنا الآن في المطار ومعايا شنطة أتقل من ضميري
وعقد عمل ثلاث سنوات في سنغافورة ممكن يغير مستقبلي كله.
رحلتي بعد أربعين دقيقة.
اهتز هاتفي في جيبي.
رسالة من المديرة
لوسيا سألت إذا كنت جاي النهاردة. قلتلها يمكن تكون مشغول. قالت مش مشكلة هتستناك عند الشباك كالعادة.
نظرت إلى ساعتي ثم إلى
بوابة الصعود.
أحكمت قبضتي على التذكرة وأنا أتذكر وعدي
وأتذكر إصبع لوسيا الصغير الملتف حول إصبعي.
وأتذكر حلم صوفيا بالبسكويت بالشوكولاتة.
وأتذكر شعور أن تكون مهما لشخص ما.
أتذكر وعدي.
المضيفة تشير لي أن أسرع
والهاتف يهتز مرة أخرى
لكنني لا أخرجه من جيبي.
لأني أعلم تماما ما الذي تقوله
الرسالة
لكن في قلبي شيء ما كان يتحطم بهدوء.
تخيلت لوسيا جالسة عند النافذة تنتظر.
وصوفيا الصغيرة تحمل دميتها وتحدثها عن سينيور ماتيو الذي وعدها أن يصنع لها بان كيك بالشوكولاتة.
تخيلت وجهها حين تكتشف أنني كذبت.
أغمضت عيني فمرت صور كثيرة أمامي طفولتي وحدتي نجاحي البارد شقتي الخالية من أي صوت إلا نفسي.
ثم وجوههما
ضحكتهما
وصوت لوسيا وهي تقول
ليه مافيش حد بيكمل معانا
فتحت عيني نظرت إلى التذكرة للمرة الأخيرة.
ثم مزقتها ببطء.
ورميتها في سلة المهملات بجانب البوابة.
الناس من حولي ينظرون بدهشة
لكنني كنت أشعر للمرة الأولى منذ سنين أنني حي.
خرجت من المطار
استنشقت الهواء البارد
واستدرت نحو الطريق المقابل أوقفت أول سيارة أجرة.
قال السائق
إلى أين
أجبت دون تردد
سان خوسيه للأيتام.
لما وصلت كان الفناء شبه فارغ.
المديرة نظرت إلي بدهشة ممزوجة بالفرح.
وقبل أن تنطق بكلمة سمعت صرخة صغيرة تأتي من الشباك
سينيور ماتيوووو!
كانت صوفيا تركض نحوي
وخلفها لوسيا تلهث وهي تحاول اللحاق بها.
ركضتا نحوي بكل ما فيهما من حياة
وعندما احتضنتاني شعرت أن شيئا استقر في صدري أخيرا.
همست لوسيا بصوت مبحوح
كنت متأكدة إنك هترجع.
ابتسمت وقلت وأنا أمسح شعرها
المرة دي مش هاروح في حتة.
رفعت المديرة رأسها وسألتني بهدوء
هل أنت متأكد من قرارك يا ماتيو إنها مسؤولية كبيرة.
نظرت إلى الفتاتين ثم إلى السماء الرمادية فوقنا وقلت
كنت فاكر النجاح هو إنك تمتلك كل حاجة
لكن اكتشفت إن النجاح الحقيقي هو لما تلاقي حد يستحق إنك تسيب عشانه كل حاجة.
وفي تلك اللحظة
لم أعد المصور الذي جاء ليلتقط صورا لأطفال مجهولين.
أصبحت الأب الذي وجد صورتين صغيرتين من قلبه الضائع
وأدرك أن البيت مش جدران البيت هو حضن صغير ينتظرك بدون شروط

تم نسخ الرابط