آخر توصيلة كانت الساعة تقترب من منتصف الليل

لمحة نيوز

آخر توصيلة
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل والمدينة غارقة في الصمت.
أنهيت يومي الطويل خلف مقود السيارة وكل ما كنت أفكر به هو كوب شاي ونوم عميق.
لكن بقيت توصيلة واحدة على التطبيق.
عنوان في شارع قديم على أطراف المدينة.
ترددت ثم ضغطت قبول.
وقفت أمام البيت وأطلقت البوق مرتين لكن لم يخرج أحد.
كادت قدماي تضغطان على البنزين للمغادرة
لكن شيئا في داخلي قال لي انزل اطرق الباب.
طرقت الباب بخفة.
جاءني صوت امرأة عجوز ضعيف ومتقطع
لحظة واحدة فقط يا بني أنا قادمة.
سمعت صوت خطواتها البطيئة ثم فتح الباب.
كانت امرأة صغيرة الحجم ترتدي فستانا مزهرا باهت الألوان وقبعة قديمة وكأنها

خرجت من صورة بالأبيض والأسود.
في يدها حقيبة صغيرة وخلفها بيت خاو إلا من الغبار والذكريات.
قالت بابتسامة متعبة
هل تساعدني بحمل الحقيبة
رفعتها بسهولة وساعدتها حتى وصلت إلى السيارة.
كانت تتشبث بذراعي كطفلة تخاف السقوط.
شكرتني أكثر مما ينبغي فابتسمت وقلت
لا تشكريني يا خالة أنا أعامل ركابي كما أعامل أمي.
نظرت إلي بعينين لامعتين وهمست
بارك الله فيك يا بني.
ما إن جلست حتى قالت بلطف غريب
خذني عبر وسط المدينة من فضلك.
استغربت فقلت
لكنه ليس الطريق الأسرع إلى وجهتك.
ابتسمت وقالت
لا بأس أنا ذاهبة إلى دار رعاية المسنين ولدي كل الوقت في العالم.
التفت إلى المرآة فرأيت في عينيها
بريقا من الماضي.
قالت بصوت خافت
عائلتي هجرتني منذ سنوات والطبيب قال إن أيامي معدودة.
لم أتمالك نفسي. أغلقت عداد الأجرة بصمت وسألتها
إلى أين تحبين أن نذهب
قضينا ساعتين في جولة بين محطات عمرها
شارع مكتبها القديم.
المنزل الذي جمعها بزوجها الراحل.
وقاعة الرقص التي تعلمت فيها الباليه قبل نصف قرن.
وفي كل محطة كانت تطلب أن نتوقف قليلا
تنظر بصمت ثم تبتسم كمن يودع عمرا بأكمله.
وأخيرا قالت بصوت واهن
أنا متعبة الآن أظن أنه حان وقت الرحيل.
وصلنا إلى دار الرعاية وكان في انتظارها موظفان.
حملت حقيبتها وساعدتها على الجلوس في كرسيها المتحرك.
أمسكت بيدي وسألت
كم أدين لك يا ولدي
قلت
بابتسامة
لا شيء يا خالة.
لكن لديك عائلة وأطفال تحتاج للمال
ما زالت لدي توصيلة أخرى.
مددت يدي لأودعها لكنها جذبتني نحوها وعانقتني بقوة.
قالت بصوت مرتجف
شكرا لقد منحتني لحظة سعادة حقيقية.
ثم غابت خلف أبواب الدار.
أما أنا فبقيت في مكاني أراقب تلك الأبواب كأنها تبتلع قطعة من قلبي.
تلك الليلة لم أقبل أي توصيلة أخرى.
قدت السيارة في صمت تام والمدينة تنام من حولي.
كنت أفكر فقط بجملة واحدة
ماذا لو لم أطرق الباب
ماذا لو رحلت في تلك اللحظة
العبرة
ليست الرحمة في المبالغ الكبيرة أو المواقف البطولية
بل في اللحظات الصغيرة التي نرى فيها إنسانا ونمنحه لحظة دفء.
طرقة باب ابتسامة
نظرة صدق
ربما تغير بها حياة أحدهم أو تخلد بها إنسانيتك.

تم نسخ الرابط