في قرية بعيدة تحيطها الحقول وتغفو بين الجبال عاش شابان يتيمان
في قريةٍ بعيدةٍ تحيطها الحقول وتغفو بين الجبال، عاش شابان يتيمان جمعتهما الأخوّة والضيق.
كان رزق الأكبر — صلبًا كالأرض التي يحرثها، قليل الكلام، كثير العمل.
أما أكرامي، فكان على عكسه تمامًا — بشوش الوجه، خفيف الروح، يملأ السوق ضحكًا بصوته وهو يبيع أواني الطين التي يصنعها بيديه.
تزوّج رزق من امرأة تُدعى مريم — جميلة المظهر، لكنها قاسية القلب، لا تُرضيها الأيام ولا تهدأ غيرتها من الناس.
أما أكرامي، فاختار ليلى — فتاة طيبة، رقيقة كنسمة الصباح، تملأ البيت دفئًا وبهجة، ورُزقا بطفلة كانت ضوء حياتهما.
لكن للقدر طريقته الخاصة في اختبار الطيبين.
مرض أكرامي مرضًا غامضًا أطفأ نوره سريعًا، تاركًا ليلى وحيدَةً تحمل بين ذراعيها طفلتها الصغيرة
حاولت ليلى البقاء في بيت زوجها، وفاءً له، لكن مريم بدأت تنسج خيوط الغيرة حولها.
كلمة اليوم… وشكوى غدًا… حتى همست لزوجها رزق ذات ليلة:
“رأيت ليلى تتحدث مع رجل غريب.”
اشتعل الغضب في قلب رزق، وطرد ليلى دون أن يمنحها فرصة لتبرير نفسها.
خرجت من البيت تحت المطر، تحمل طفلتها بيدٍ، وفستان زفافها بيدٍ أخرى — الفستان الذي كان آخر هدية من أكرامي.
سكنت كوخًا صغيرًا مهجورًا على أطراف القرية.
وفي مساءٍ بارد، طرقت بابها عجوزٌ غريبة ترتجف من البرد.
طلبت ثوبًا تدفأ به، ولم تملك ليلى سوى فستانها الأبيض.
ترددت لحظة… ثم ابتسمت، وقدّمته لها.
رحلت العجوز بصمت، لكن في الصباح، وجدت ليلى فستانًا جديدًا يتلألأ بنورٍ خفيف معلّقًا على الباب،
“البسيه عندما يضيق بك الحال.”
مرت الأيام، واشتدّ الفقر والجوع. وحين نفد الطعام، نظرت ليلى إلى الفستان وقرأت العبارة من جديد.
ارتدته، فإذا بدفءٍ يسري في جسدها كأنها تحت شمسٍ خفية.
وعندما فتحت الباب، وجدت أمامه سلةً مليئة بالطعام والفاكهة.
في اليوم التالي، طرق بابها رسولٌ من قصر السلطان يدعوها لحضور حفلٍ كبير.
ارتدت الفستان السحري، وذهبت.
حين دخلت القاعة، خيّم الصمت — جمالها كان أشبه بحلم.
لم يتعرف عليها أحد، حتى رزق ومريم كانا بين الحضور ولم يعلما أنها ليلى.
اقترب منها الأمير، مأخوذًا بسحر حضورها، وطلب الزواج منها.
وافقت بهدوء، بشرط أن تبقى ابنتها معها دائمًا.
مرت الأعوام، وعاشت ليلى في القصر تنشر الخير والعطف
وفي أحد الأيام، رأت امرأة مهزولة تستجدي عند أبواب القصر — كانت مريم.
تبدّد كبرياؤها، وضاع مالها، وهجرها رزق بعد إفلاسه.
أمرت ليلى بإدخالها، وقدّمت لها الطعام والمأوى، ثم طلبت حضور رزق.
وحين التقيا، لم تغضب، بل قالت بابتسامةٍ رقيقة:
“ما مضى كان امتحانًا… والرحمة هي النجاة الوحيدة.”
عيّنت رزق حارسًا في القصر، ووفّرت لهما بيتًا صغيرًا يعيش فيه بسلام.
وفي صباحٍ مشرق، ظهرت العجوز نفسها وسط نورٍ ناعم، وقالت لليلى:
“لقد أكملتِ رسالتي… فالخير لا يكون خيرًا حتى يُسامح.”
ثم اختفت تاركة ورقة بيضاء كتب عليها:
“الخير ينتصر بالرحمة.”
وهكذا، أصبحت ليلى أميرة القصر وملهمة القلوب،
تُروى قصتها في القرى جيلاً بعد جيل، لتُذكّر الجميع
بل تتوَّج دائمًا بالنور.