قصة ياسر برد الفجر ودفء الدعاء كنت معلمة في مدرسة ابتدائية منذ ثلاث سنوات
قصة ياسر برد الفجر ودفء الدعاء
كنت معلمة في مدرسة ابتدائية منذ ثلاث سنوات، ومرّ عليّ الكثير من الطلاب والقصص والمواقف، لكن هناك قصة واحدة ما زالت محفورة في قلبي، لا يمكن أن أنساها… قصة الطفل “ياسر”.
كان ياسر تلميذًا في الصف الرابع الابتدائي. طفل نحيل، شاحب الوجه، دائم الشرود، يغلبه النعاس كثيرًا أثناء الحصة. كنت أراه دومًا بملابس غير مرتبة، وشعره مبعثر، ودفاتره ممزقة. حاولت مرارًا أن أجعله يهتم بنفسه، أن أزرع فيه بعض النظام، لكن دون جدوى… لا الترغيب نفع، ولا العقاب أثّر، ولا حتى الكلمات اللطيفة حرّكت فيه شيئًا.
كنت أقول في نفسي: لابد أن هناك شيئًا وراء هذا الصغير لا نعرفه.
وفي صباح يوم شتوي قارس، وصلتُ إلى المدرسة قبل الجميع بساعة تقريبًا. كانت الساعة السادسة إلا قليلًا، والبرد يلسع الجلد.
دخلت فناء المدرسة، وفجأة لمحت من بعيد مشهدًا لن أنساه ما حييت.
في زاوية من الساحة، رأيت طفلين صغيرين جالسين على الأرض، وقد انكمش كل واحد منهما على الآخر. اقتربت أكثر، لأجد ياسر وأخاه الصغير “أيمن” – طالب الصف الأول – يرتجفان من شدة البرد، وملابسهما خفيفة بيضاء لا تقي جسديهما النحيلين. كان أيمن ينفخ في كفيه الصغيرتين ليدفئهما، ويفركهما ببعضهما، في محاولة يائسة للدفء.
توقفت للحظة، وامتلأت عيناي بالدموع.
اقتربت مسرعة وقلت:
“ياسر! ما الذي جاء بكما في هذا الوقت؟ ولماذا لا ترتديان ما يقيكما
رفع ياسر رأسه بخجل، وضم أخاه إليه كمن يحميه من العالم كله. كان في عينيه بريق ألم أكبر من سنه.
أمسكت بهما وأخذتهما إلى المكتبة المدرسية، وكانت دافئة نوعًا ما. خلعت معطفي الصوفي وألبسته لأصغرهم، ثم جلست أمام ياسر أسأله بهدوء:
“من الذي أحضركما؟ أين والدك؟ أين أمك؟”
قال بصوت خافت:
“السائق هو اللي جابنا، زي كل يوم… أبوي مسافر، وأمي عند أخوالنا.”
توقفت لبرهة وسألته:
“أمك عند أخوالك من متى؟”
فأجاب أخوه الصغير ببراءة موجعة:
“من زمان… أبوي طلقها وراحت عندهم.”
هنا انكسرت عين ياسر، وغرقت في بحر دموعه. قال بصوت متقطع:
“أبوي طلقها وضربها… ومن يومها ما رجعت… وأنا مشتاق لها، والله مشتاق.”
لم أتمالك نفسي. احتضنت الصغيرين، ودموعي تنهمر.
سألته:
“لكن والدك؟ ألا يسمح لك برؤيتها؟”
قال ياسر وهو يمسح دموعه بطرف كمه:
“كان يسمح… بس من يوم تزوج، ما عاد يسمح لي.”
“وزوجة أبيك؟ هل تعاملكما جيدًا؟”
هز رأسه نافيًا:
“لا يا أستاذة… تضربنا وتسب أمي، وتمنع الخادمة تساعدنا. بعض الأيام أنا اللي أجهز ملابسنا وطعامنا.”
كنت أسمعه وكأنني أعيش وسط رواية من وجع، لا من واقع. قلت له بلطف:
“لكن أنت رجل يا ياسر، الله كاتب لك تكون سند لأخوك، ومثال قوي في مدرستك. اجتهد في دراستك، خليك قدّها.”
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
“أنا ما أقدر أذاكر… هي ما تخليني أحل واجباتي، تخليّني أنظف البيت.”
كان
“ياسر، لو تحسنت واجتهدت، أعطيك مكافأة غالية جدًا.”
نظر إليّ بعينين تتسعان دهشة:
“وش هي؟”
قلت مبتسمة:
“رح أخليك تكلم أمك في الهاتف من المدرسة.”
في تلك اللحظة، لم أكن أتخيل حجم الوقع. قفز ياسر من مكانه، وأمسك بيدي يقبلها وهو يقول:
“تكفى يا أستاذة، تكفى، أنا ولهان عليها!”
هززت رأسي موافقة:
“بس بشرط، تلتزم وتتحسن.”
ومنذ ذلك اليوم، تغير ياسر.
بدأ يهتم بواجباته، والأساتذة ساعدوه كل بطريقته. في أسبوع واحد، تحوّل الصبي المهمل إلى تلميذ مجتهد. كنت أراه في كل صباح يكتب بحماس، كأن الأمل عاد ينبض في صدره.
بعد أسبوع، استأذنت المدير واتصلت بأم ياسر.
ردت امرأة كبيرة السن، قالت إنها جدته، ثم نادت على الأم.
جاء صوتها المرتعش من خلف الدموع:
“أستاذ، طمني على ولدي، الله يطمنك بالجنة!”
قلت لها:
“ياسر بخير، ومشتاق لك كثير.”
تحول الحديث إلى بكاء ونشيج. قالت وهي تكتم عبرتها:
“لي خمسة أشهر ما سمعت صوته.”
وعدتها أن أسمح لهما بمكالمة قصيرة دون أن يعلم الأب، بشرط ألا تتحدث عن المشاكل أمامهما.
وافقت فورًا، وكأنها وجدت الحياة من جديد.
ناديت ياسر وأيمن إلى غرفة المدير، وقلت:
“هذي أمك على الخط، تبي تكلمك.”
ما إن سمع الاسم حتى خفق قلبه، وركض نحو الهاتف.
قال:
“أمي؟ أمي؟!”
ثم بكى… وبكى كثيرًا.
لم يكن حديثًا، بل لقاء بين شوق وحرمان.
حتى
بعد أن أنهيا المكالمة، قلت لياسر:
“هذه مكافأتك يا بطل، وإذا اجتهدت أكثر، نكررها.”
قبّل يدي مرة أخرى وقال:
“أوعدك يا أستاذة، أجتهد أكثر!”
ومرت الأيام… وصار ياسر من المتفوقين.
تحسن مستواه حتى صار ترتيبه السابع على صفه بعد أن كان في ذيل القائمة.
في نهاية الفصل، أعطيته هدية وشهادة تقدير، وأرفقت معهما رسالة طويلة إلى والده، شرحت له فيها حال ابنه، ومعاناته، وجهوده الأخيرة.
قال لي بعض الزملاء: قد يغضب الأب… قد يعتبرها تدخلًا!
لكن ضميري لم يسمح لي بالصمت.
أعطيت الرسالة لياسر وقلت له:
“سلمها بيدك لأبوك، ولا تفتحها.”
وفي صباح الثلاثاء التالي، دخل ياسر المدرسة مرتديًا أجمل ثيابه، يركض نحوي وهو يصيح:
“أستاذة! أستاذة! هذا أبوي!”
نظرت، فإذا برجل يقترب بخطوات مترددة، وفي عينيه ندم كبير.
سلّم عليّ، ثم قال بصوت مخنوق:
“أقسم أني جئت لأقبّل رأسك، جزاك الله خير. لقد فتحت عيني على ظلمي… أنا الجاني والمجني عليه.”
بكى الرجل أمامي وقال:
“سأعوّض ياسر وأيمن عما فات، ولن أحرمهما من أمهما بعد اليوم.”
ومنذ ذلك اليوم تغيّرت حياة الصغيرين.
أصبحا يزوران أمهما باستمرار، وعاد الدفء إلى وجهيهما.
وفي يوم الوداع قال لي الأب:
“أستاذة، اعتبري ياسر ولدك، فقد كنتِ له أمًا حين غابت الأم، وأبًا حين غاب الأب.”
ابتسمت وقلت له:
“هو بالفعل ابني
قصة ياسر لم تكن مجرد حكاية طفل مظلوم،
كانت درسًا في الرحمة، وفي أن كلمة واحدة، أو اهتمامًا صادقًا،
قد يبدل مسار حياة كاملة