رضاك يا أمي كان الغضب يملأ عينيها ذلك الصباح

لمحة نيوز

رضاكِ يا أمي كان الغضب يملأ عينيها ذلك الصباح.
تكلّمت الأم بصوتٍ مرتفع، وعيناها تشتعلان بالعتب:
“اذهب من أمامي يا رامي، لا أريد أن أراك حتى تتعلم كيف تحترمني.”

وقف ابنها في منتصف الغرفة، يبتسم رغم وجعه، يحاول أن يذيب الغضب بكلمةٍ طيبة:
“ماما… ابتسمي. ماذا ستطبخين اليوم على الإفطار؟”
فأجابته بحدّة:
“سُمّ!”
فقال ضاحكًا:
“حتى السم سيكون لذيذًا إن كان من يدكِ يا أمي.”

لكنها لم تبتسم.
رفع يديه استسلامًا وقال:
“طيب، زعلتيني… مش هاكل معاكم النهارده.”
ثم خرج بخفة، تاركًا خلفه قلبًا مليئًا بالوجع، وبيتًا غمره الصمت.

مرّت ساعات.
كانت الأم في المطبخ، يلتفّ حولها أبناؤها، والساعة تقترب من أذان المغرب.
همست في نفسها:
“يمكن قسيت عليه… الله يسامحني، قلبي مش مرتاح.”
ثم قالت للبنت:
“جهزي السفرة، وحطي أكله المفضل. اتصلي بأخوك وقولي له ييجي بسرعة، بس ما تقوليش إنّي اللي طلبت.”

اتصلت البنت… لكن الهاتف كان خارج نطاق التغطية.
قالت الأم وهي تحاول أن تطمئن نفسها:
“الله يحميه ويرجّعه بالسلامة.”

وعند الأذان، جلست أمام المائدة.
لم تلمس طعامها.
ظلت تحدّق في مكانه الفارغ،

ودمعة ساخنة انزلقت على وجنتها.
قالت في سرّها:
“أكيد جعان دلوقتي… الله لا يوفقني زعلته وهو صايم.”
وفجأة شعرت بوخزٍ في صدرها، قلبها يخفق بسرعة، ثم همست بصوتٍ مبحوح:
“رامي…”

نظر إليها الأب بدهشة:
“ماله رامي؟”
قالت:
“حاسه فيه حاجة…”

لم تمر دقائق حتى رنّ الهاتف.
رفع الأب السماعة، ثم سقطت من يده وهو يهمس بصوتٍ مكسور:
“إنّا لله وإنّا إليه راجعون…”

تجمّدت الأم في مكانها.
رفضت التصديق.
صرخت:
“لاااا! بيكذبوا! رامي هيفتح الباب دلوقتي ويقولّي ماما سامحيني…”

لكن الباب ظل مغلقًا.
خرج الأب مسرعًا، وتبِعته الأم بعد دقائق، تمسك بالهاتف وترجوه:
“اتصل بيه، خليه يسمع صوتي، أنا مش زعلانة والله… بس يتنفس، بس يقول كلمة…”

وصلت إلى المستشفى، والوجوه حولها كانت تخبرها بما لا تطيقه.
رأت الأب واقفًا أمام غرفةٍ بيضاء، عيونه غارقة بالدموع.
سألته بصوتٍ مبحوح:
“فين ابني؟”
أشار إلى الداخل دون أن يتكلم.

ركضت نحوه، فتحت الباب، رأت جسده مغطى بشرشفٍ أبيض.
صرخت:
“ليش مغطّينه؟ هو نايم بس! قوم يا رامي شوف الأكلة اللي بتحبها… قوم نفطر سوا…”

لكن الصمت كان أثقل من أي رد.

دخل الطبيب

بخطواتٍ بطيئة، وفي يده سوار فضي.
قال بصوتٍ خافت:
“هذا ما وجدناه في معصمه…”
كان مكتوبًا عليه:
“رضاكِ همّي يا أمي.”

سقطت الأم على الأرض، تحتضن ابنها وتبكي:
“يعني ما رضيت عنك وانت حي… رضيت دلوقتي؟!
يا الله، خذ من عمري وأعطه نفسًا واحدًا…”

وظلّت تردد باسمه حتى خفت صوتها تمامًا…
وتركت خلفها وجعًا لا يُشفى

آخر رسالة

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، عندما أطفأت ليلى الهاتف بعصبية، وهي تتمتم:

"كفاية بقى يا سامر! كل يوم نفس الكلام… أنا تعبت."

كان صوته ما يزال يرن في أذنها — هادئًا، مستعطفًا، خائفًا من فقدها.
لكنه هذه المرة لم يجد بابًا مفتوحًا. أغلقت المكالمة، وقررت أن “تُريحه” من عنادها، وأن “تُريح نفسها” من تعلقها به.

نامت وفي قلبها وجع صغير، لكنها أقنعت نفسها أنه سيزول مع الصباح.
نامت… ولم تعلم أن الليل يحمل في طيّاته شيئًا لا يُحتمل.

في الصباح، فتحت عينيها على ضوء الهاتف الوامض، إشعار جديد:
“رسالة صوتية من سامر – الساعة 1:07 ص.”
ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت على التشغيل.
خرج صوته متعبًا، متقطع الأنفاس:

"ليلى… سامحيني لو زعلتك الليلة. كنت بس عايز

أقولك إنك كنتِ أكتر حاجة حلوة في حياتي.
ما تزعلِيش مني، يمكن ربنا يريحني قريب… بس وعديني، ما تبكيش."

تجمدت أنفاسها.
ضغطت على الاتصال، لكنه لم يجب.
أعادت المحاولة مرة، مرتين، عشرًا…
حتى جاءها صوتٌ آخر هذه المرة — صوت رجلٍ غريب، خافت ومكسور:

"حضرتك تعرفي صاحب الرقم؟ للأسف لقيناه في حادث على الطريق… البقاء لله."

سقط الهاتف من يدها.
الهواء صار أثقل من أن يُتنفَّس.
ركضت إلى الباب، حافية القدمين، والدموع تسبقها كأنها تركض وحدها.

في المستشفى، جلست على الأرض أمام الغرفة البيضاء، لا تعرف إن كانت تنتظر معجزة أم تعاقب نفسها على آخر كلمة قالتها له.
جاء الطبيب بصمتٍ طويل، وضع في يدها هاتفًا صغيرًا مكسور الشاشة.
فتحته بأصابع مرتعشة، فوجدت رسالة غير مُرسلة:

"ليلى، لو رجعتِ تسمعي الصوت دا، اعرفي إنّي كنت بخاف أزعلك… كنت بحبك أكتر من نفسي."

بكت حتى اختنق صوتها.
وضعت الهاتف على صدره، وهمست:

"ليه ما استنيتني أرد؟ كنت هقولك سامحتك… كنت هقولك بحبك كمان."

مرت سنوات.
كلما دقّت الساعة 1:07، تفتح ليلى هاتفها، تستمع لتلك الرسالة نفسها —
صوته يعتذر، وهي تبكي في

كل مرة كأنها تسمعه لأول مرة.

وفي مذكرتها، كتبت ذات مساء:

“بعض الرسائل لا تُقرأ لتُجاب… تُقرأ لتُبقي الصوت حيًّا.”
 

تم نسخ الرابط