بابا، ممكن تنزلني عند الزاوية؟
بابا ممكن تنزلني عند الزاوية
عند الزاوية لماذا
لا داعي أن تدخل المدرسة معي سأكون بخير.
ظل صامتا للحظة.
نظر إلى زيها الممزق حقيبتها البالية
ثم نظر إلى يديه متصبغتين بالطلاء تفوح منهما رائحة المذيبات.
يدا عامل البناء. يدا الأب الذي أعطى كل شيء.
حسنا يا ابنتي عند الزاوية إذن.
راقبها وهي تمشي مسرعة بعيدا
لم يلتفت حتى ليودعها.
لقد رباها بمفرده.
منذ أن تركت والدتها حياتهما وكانت بالكاد تبلغ ثلاث سنوات.
عمل في أي شيء يستطيع العثور عليه
لم يكن لديه رفاهيات لكنه لم يدعها تشعر بالجوع يوما.
حضر الاجتماعات المدرسية تعلم تمشيط شعرها وشرح لها واجباتها رغم أنه بالكاد يعرف القراءة.
استيقظ ليلا عندما كانت مريضة بالحمى.
بكى بصمت لأنه لم يستطع شراء هدية لها.
كسر ظهره ليؤمن لها مدرسة جيدة رغم نظرات الاستهزاء.
والآن بعد أن أصبحت مراهقة كل ما أرادته هو أن يخفيا وجوده معها عن أعين الآخرين.
أبي أنت لا تفهم.
ماذا لا أفهم
الناس يسخرون من طريقة ملابسك من أنا لكوني
كانت كلماتها كالسهام في قلبه أقسى من أي يوم عمل مر به.
تلك الليلة جلس الأب وحيدا لم يتناول العشاء.
نظر إلى صورة قديمة يحملها بين ذراعيه في أول يوم مدرسة
كانا يبتسمان وكانا واحدا.
والآن رغم قربهما أصبحا غريبين.
أراد أن يصرخ أن يشتكي أن يغضب
لكن كل ما فعله هو التنهد.
لأنه كان يعرف أن ابنته ستفهم يوما شيئا مهما
أن لا شيء أغلى من حب من أعطاك كل شيء دون أن يطلب منك شيئا.
العبرة
أحيانا أنقى حب هو الحب الذي نأخذه كأمر مفروغ منه أو نتجاهله.
الحب الحقيقي لا يظهر في السيارات الفاخرة أو الملابس الباهظة
يظهر في الأيادي المتعبة العيون المنهكة والقلوب التي تعلمت الحب من الغياب.
لكن الحياة دائمة التغيير
ومن كانت تخجل اليوم ستبكي غدا لأنها لم تعانق من أحبها أكثر
قصة أخرى
ماما ممكن ما تجيش المدرسة بكرة
ليه يا حبيبتي
عندنا يوم الأم والكل بيجيب مامته.
ما هو ده السبب إني لازم أكون هناك يا روحي.
بس... الكل بيضحك على طريقتك في الكلام بيقولوا إنك
سكتت الأم وشها اتجمد كأن الزمن وقف للحظة.
كانت ماسكة في إيدها طبق الملوخية اللي بتحضره للعشا المعلقة وقفت في الهوا والعين اللي كانت بتغلي سكتت.
بصت لمريم الصغيرة اللي بتتهرب من نظرتها كأنها خايفة تشوف أثر الكلام اللي قالته.
ابتسمت الأم ابتسامة باهتة وقالت بهدوء
زي ما تحبي يا مريومة مش هاجي.
في اليوم التاني المدرسة كانت مزينة بالبلالين والضحك مالي المكان.
كل بنت ماسكة إيد أمها بيضحكوا بيتصوروا بيقدموا هدايا وورد.
أما مريم فكانت واقفة لوحدها ماسكة وردة ذبلت من كتر الانتظار.
مدرستها سألتها
مامتك مجتش ليه يا حبيبتي
ضحكت مريم ضحكة قصيرة وقالت
كانت تعبانة شوية.
لكن الحقيقة إن التعب كان في قلبها هي.
رجعت البيت العصر الجو كان ساكت ريحة الأكل البسيط مالية المكان والهدوء مخنوق.
على الكرسي اللي دايما بتحط عليه أمها شنطتها لقت المعطف البني القديم متعلق
هو نفس المعطف اللي أمها بتلبسه كل يوم وهي رايحة تنظف بيوت الناس.
وعليه وردة
ومكتوب فيها بخط متعرج
كل سنة وانتي أحلى حاجة في حياتي يا مريومة.
ساعتها إيد مريم ترجفت وصدرها اتقل.
دموعها نزلت واحدة ورا التانية
وحست فجأة إنها كانت أنانية جدا.
جريت على المطبخ لقت أمها قاعدة على الكرسي الخشبي بتقشر بطاطس.
حضنتها من غير ما تقول ولا كلمة
والأم اللي كانت بتحاول تخبي الحزن اكتفت إنها تمسح على شعر بنتها وتقول بصوت واطي
ولا يهمك يا قلبي أنا عارفة إنك بتحبيني.
في اللحظة دي مريم فهمت.
فهمت إن صوت أمها اللي كانت بتتكسف منه هو نفس الصوت اللي كان بيغني لها وهي صغيرة عشان تنام.
وإن المعطف البني اللي كانت بتخجل منه هو اللي سترها من البرد سنين طويلة.
وإن الست اللي الناس بتسخر من كلامها علمتها معنى الكرامة بصمتها.
مش كل اللي بيتكلم بطلاقة متعلم الحب
ومش كل اللي لابس شيك عارف يدفي غيره.
فيه حب بسيط صوته مكسور وإيده خشنة
لكن قلبه أنضف من الدنيا كلها.
الحب الحقيقي مش دايما بيبان في الهدايا
أوقات بيبقى
وفي أم قررت تحب بنتها حتى وهي بتكسر قلبها من غير قصد.