أنا ابنة رجلٍ كان يبيع المناديل الورقية عند إشارات المرور
أنا ابنة رجل كان يبيع المناديل الورقية عند إشارات المرور.
نعم هذا هو أبي الرجل الذي كان الناس يغلقون نوافذ سياراتهم حين يقترب منهم
كأن فقره عيب يعدي.
كنت أراه كل صباح من شباك البيت الصغير في أطراف المدينة
يقف هناك وسط الغبار ودخان السيارات
وقلبه مليء بالكرامة أكثر من جيوبه الفارغة.
لم يكن لدينا الكثير
لكن أبي كان يقول دائما
يا ابنتي الفقر ليس عيبا العيب أن نفقد ضوء قلوبنا.
كنت أصدق كلما ته لكن الواقع كان قاسيا.
في المدرسة لم يكن الأمر سهلا.
كان زملائي يتهامسون كلما رآني أحدهم أقبل يد أبي عند بوابة المدرسة.
قالت إحداهن يوما
أبوك يبيع مناديل مسكي نة لابد أن رائحة الشارع لا تفارقك!
ضحك الجميع وبكيت وحدي.
لكني كنت أعود إلى البيت وأرى أبي يفرغ جيوبه الصغيرة أمامي
بضع عملات معدنية وابتسامة كبيرة
اليوم بعنا كثيرا! سأشتري لك
كان ذلك القلم أغلى من كل هواتفهم الفاخرة.
مرت السنوات وأنا أدرس تحت ضوء مصباح قديم يضعه أبي قرب النافذة.
كان يغفو جالسا ورأسه يميل فوق كومة المناديل
وأنا أواصل الكتابة والقراءة حتى يغلبني النعاس.
وحين جاء يوم التخرج من الجامعة
كنت الأولى على الدفعة بمرتبة الشرف.
أردت أن أجعل ذلك اليوم مختلفا.
دخلت القاعة فسمعت الهمسات كعادتي
أليست ابنة بائع المناديل
غريب كيف وصلت إلى هنا
لكن حين نادوا اسمي
وقفت بثبات وصعدت إلى المنصة.
كنت أرتجف لكن قلبي كان مليئا بالامتنان.
أمسكت الميكروفون وقلت
أود أن أهدي هذا التفوق لأبي
البائع المتجول الذي علمني أن الكرامة لا تشترى.
ثم أشرت إلى المقاعد الخلفية
حيث كان أبي يقف بخجله المعتاد يرتدي قميصه الباهت ويحمل باقة مناديل بيده.
أبي قلت بصوت مرتجف
كل ما أنا عليه اليوم هو ثمرة يديك المتشققتين
ساد الصمت
ثم بدأت الأصوات تختنق بالبكاء.
الطلاب الأساتذة وحتى مدير الجامعة الجميع بكى.
بعد الحفل اقترب بعض الزملاء وقالوا بصوت مبحوح
نحن آسفون. كنا قساة.
ابتسمت وقلت
لا بأس. فقط تذكروا
أن الأيدي التي تمسك المناديل لتمسح دموع الناس
قادرة أيضا على بناء إنسان.
ثم ركضت نحو أبي وعلقت الميدالية حول عنقه.
قال لي وهو يبتسم بعينين دامعتين
كنت أحلم أن يراني الناس رجلا ذا شأن
لكنك جعلتني اليوم أغنى رجال الأرض.
في تلك اللحظة أدركت شيئا واحدا
أن الشرف لا يقاس بالملابس أو المال
بل بالحب الذي نحمله لمن صنعوا منا ما نحن عليه.
العظمة مش في اللبس ولا في المكانة لكن في القلب اللي ما بيفقدش نوره حتى لو الدنيا ظلمت حواليه.
الفتاة دي اتولدت في بيت بسيط جدا وأبوها كان بيبيع مناديل على إشارات المرور وبدل ما تخجل منه
الناس كانوا بيضحكوا ويسخروا شايفين إن الفقر ضعف لكن اللي ما يعرفوش إن الضعف الحقيقي هو إنك تفقد إنسانيتك.
أبوها كان رمز للتعب الشريف وهي كانت ثمرة الصبر ده صبرت درست وتحدت نظرات الناس لحد ما وقفت قدامهم ورفعت راسه.
لحظة ما قالت الأيدي اللي بتمسح دموع الناس تقدر تبني إنسان دي كانت خلاصة القصة كلها.
الفقر مش وصمة ولا محتاج يتخبى.
الوصمة الحقيقية إننا نحتقر اللي بيتعب عشان يعيش بكرامة.
أبوها ما علمهاش بس القراءة علمها معنى العزة إن الكرامة تفضل دايما فوق أي حاجة.
الموعظة هنا إنك ما تستهينش بحد مهما كان بسيط لأن ممكن يكون جواه قوة وطيبة تخليه يغير العالم حوالينه.
وإن كل تعب حقيقي وكل دمعة نزلت في صمت ليها يوم تترجم فيه لفخر ونجاح.
احترموا كل يد متشققة من الشغل