منذ عامين توفيت حماتي ومنذ ذلك الحين كانت صناديقها مكدّسة

لمحة نيوز

منذ عامين، توفيت حماتي.
ومنذ ذلك الحين، كانت صناديقها مكدّسة في المرآب.
مجوهرات لن يرتديها أحد،
وسُترات ما زالت تحتفظ برائحتها،
وثلاثةٌ وستون منديلًا نسائيًا،
كل واحدٍ منها مطويّ بعناية داخل ورقٍ حريري.

كانت تجمعها من أسواق التحف،
ودائمًا تقول:

“جميلة جدًا… لا يمكن استعمالها.”

لم أكن أعرف ماذا أفعل بها.
لم أستطع رميها،
لكنني لم أستطع تركها حبيسة الصناديق إلى الأبد أيضًا.

ثم قبل أيام، رأيت فكرة على الإنترنت —
شخص علّق أقمشة قديمة على النافذة وربطها كأنها ستائر،
فبدت جميلة، فوضوية، ومليئة بالحياة.

وفي ظهر يوم السبت، أخرجتها كلها.
وربطتها واحدةً تلو الأخرى على قضيب ستارة المطبخ.
منديل عليه زهور من الخمسينيات،
وآخر بحواف مطرّزة،
وآخر عليه طيور زرقاء صغيرة.

الآن، عندما تشرق شمس الصباح،
يمرّ الضوء من خلالها
ويرقص على سطح المطبخ بألوانٍ ناعمة.

 

دخل زوجي وتوقف عند الباب.
نظر إلى النافذة طويلًا.
ظننت أنه سيبكي.

لكنه قال بهدوء:

“كانت ستحب هذا.”

ومنذ ذلك اليوم،
كلما مرّ بجانب النافذة،
يمدّ يده ويمسّ المنديل بلطف،
وكأنه يتأكد أنها ما زالت هناك.

ربما، بعد عامين،
وجدت أخيرًا الطريقة المناسبة
لأبقيها معنا —
ليس في صندوقٍ مغلق،
بل في ضوء الصباح. 

أكواب أمي

منذ عامين، رحلت أمي.
رحيلها كان هادئًا، بسيطًا، تمامًا مثل حياتها.
لكن بعدها، بقيت أشياءها الصغيرة تملأ البيت كأنها ما زالت هنا —
الفوطة المطوية على كرسي المطبخ، رائحة القهوة اللي بتظهر في الصبح من غير سبب، وصوتها اللي لسه عالق في ودني وهي بتقول:

“مافيش وجع بيطول يا بنتي، حتى الحزن بيتعب.”

في اليوم اللي جمعنا فيه حاجاتها، كنت آخر واحدة أقدر ألمسها.
كل حاجة كانت بتوجعني: الفستان اللي لبسته في فرح أخويا، المشط الخشبي

اللي عليه خصلة من شعرها الأبيض، وحتى أكوابها الزجاجية اللي كانت بتخاف حد يستخدمها.
كانت دايمًا تقول وهي تلمعها:

“دول مش أكواب… دول ذكريات.”

حطيناهم كلهم في كرتونة وكتبنا عليها بخط رفيع: “ممنوع اللمس.”
وبعدين اتنسوا في الدولاب اللي فوق المطبخ، سنتين كاملتين.

من أسبوع، وأنا بنضّف المطبخ، الكرتونة وقعت بالغلط.
اتكسرت واحدة من الأكواب، واتناثر الزجاج على الأرض.
قعدت على البلاط، وأنا بحاول ألم الشظايا، ودموعي نزلت فجأة.
مش علشان الكوب، لكن علشان الإحساس إن حتى الحاجات اللي بتحافظي عليها بكل قوتك، في الآخر بتتكسر.

في نفس الليلة، وأنا بعمل شاي، فكرت فيها.
افتكرت إنها كانت بتقول إن الشاي في الكوب الشفاف ليه طعم تاني.
طلعت باقي الأكواب من الكرتونة، واحدة واحدة.
غسلتهم، ولمعتهم، وحطيتهم في الصف الأول من الدولاب، كأنهم راجعين بيتهم بعد غيبة طويلة.

تاني يوم الصبح، صبيت الشاي في واحد منهم.
الضوء كان داخل من الشباك، بينعكس على الزجاج وبيعمل ألوان دافية على الترابيزة.
كان في هدوء غريب… هدوء يشبه حضنها.

دخل بابا، وقف عند الباب زي ما كان بيعمل دايمًا،
وبصّ للكوب في إيدي.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

“فاكرة؟ كانت تقول إن ده الكوب بتاعها في الصبح بس.”
ضحكنا سوا، والضحكة كانت عاملة زي نسمة خفيفة بتعدي من الماضي.

من يومها، كل ما أشرب شاي في واحد من الأكواب دي، بحس إنها معايا.
مش في الصورة اللي على الحيطة، ولا في الذكريات اللي بتوجع.
لكن في التفاصيل الصغيرة اللي كانت دايمًا تصنع بيها الدفء —
في صوت الغلاية، في بخار الشاي، في الضوء اللي بيعدّي من الزجاج.

الناس دايمًا بتقول إن الرحيل نهاية.
بس يمكن هو بداية طريقة جديدة للحب —
حب من غير كلام، من غير وجود،
بس مليان حضور في كل ركن من البيت.

دلوقتي،

لما حد ييجي ويسألني عن الأكواب الجميلة اللي عندي،
بضحك وأقول:

دول مش أكواب… دول روح أمي بتشرب معايا الشاي كل يوم.

تم نسخ الرابط