بالأمس خلال إحدى حصصي الدراسية نظر إليّ أحد الطلاب باستغراب وسألني

لمحة نيوز

بالأمس خلال إحدى حصصي الدراسية نظر إلي أحد الطلاب باستغراب وسألني
أستاذ هل اشتريت سترتك من متجر King
ابتسمت وقلت
لا في الحقيقة وجدتها في سوق الجمعة!
السوق
نعم السوق المحلي. أذهب إليه كثيرا! أجبت وأنا أضحك وكأنه أمر عادي جدا.
في تلك اللحظة ساد الصمت الصف كله.
قال أحدهم هذا مقرف يا أستاذ!
وأضاف آخر أنا مستحيل ألبس ملابس مستعملة!
وثالث قال أنا أشتري فقط الماركات المعروفة!
وهنا تحول درس الرياضيات إلى درس في الحياة.
شرحت لهم أن ملابسي سواء كانت من متجر فاخر أو من بائع في السوق
فهي كلها تنتهي في نفس الغسالة بنفس المسحوق وبنفس الماء.
وأن أغلب تلك الماركات الكبيرة التي يعشقونها تصنع في نفس المصانع في الطرف الآخر من العالم.
وبصراحة وجدت بين أكشاك السوق الكثير من الملابس ذات الماركات المعروفة 
نايكي رالف لورين أرماني فرزاتشي 
كلها مقابل بضعة يوروهات فقط لكنها بالنسبة لي كنوز صغيرة.
لو كانوا يعلمون كم من الكنوز تفوتهم!


ثم عدنا إلى مسائل الهندسة.
لكن عقلي ظل منشغلا بهم.
نظرت إلى أولئك الطلاب بأحذيتهم الجديدة وسويتشرتاتهم التي تحمل الشعارات بفخر
وفكرت في أولئك الجالسين بينهم
الذين يرتدون نفس البنطال والقميص كل يوم
يتظاهرون بعدم الاكتراث حتى لا يلاحظهم أحد.
فقلت شيئا أتمنى أن يعلمه كل والد لابنه
لا عيب في أن تملك القليل.
العيب هو أن تحكم على من يملك أقل.
لأنني أنا أيضا في يوم من الأيام كنت أعد العملات المعدنية لأكمل الشهر.
تناولت عشاء مكونا من شوربة جاهزة.
وتلك الأيام الصعبة علمتني الامتنان والقوة والاحترام.
صحتي لم تعد كما كانت.
لقد بدأت هذه السنة بتشخيص صعب
وإذا كنت تظن أن الموضة ما زالت من أولوياتي فأنت مخطئ تماما.
الماركات لا تحدد قيمتنا.
شخصيتنا هي التي تفعل.
الطريقة التي نعامل بها الآخرين واللطف الذي نقدمه والكرامة التي نحيا بها.
أيها الآباء علموا أبناءكم التواضع.
علموهم أن الحياة يمكن أن تتغير في لحظة.
وأن قميصا بثلاثة يوروهات
من سوق الجمعة
قد يكون في يوم من الأيام ما يمنحهم الدفء والتوازن. 
علمتني وردة
في صباح شتوي بارد كنت ماشي بسرعة رايح شغلي.
الهواء كان بيقرص والناس ماشية برتم متوتر كأن الدنيا كلها مستعجلة.
وأنا بعدي من عند بوابة المدرسة شفت بنت صغيرة واقفة جنب الرصيف شايلة باقة ورد بسيطة خمس وردات بس ملفوفين بورق جرنال.
كنت على وشك أعدي لكن لمحت نظرتها.
كانت بتبص على كل اللي بيعدوا كأنها بتترجى حد يشتري منها.
رجعت خطوتين وسألتها
بكام يا حبيبتي الورد ده
قالت بخجل
بجنيهين يا عمو.
مديت إيدي واشتريت منها الباقة كلها.
سألتها وأنا باخدها
إنت بتبيعي الورد ليه المفروض تبقي في المدرسة دلوقتي.
قالت وهي بتبص للأرض
ماما تعبانة وأنا لازم أساعدها.
الكلمة دي كسرت فيا حاجة.
الدفء اللي كنت بدور عليه في البرد لقيته في عينيها الصغيرة دي.
ابتسمت وقلت
طب خدي الجنيهين دول والورد خليه عندك يمكن تبيعيه لحد تاني.
ضحكت وقالت
ما ينفعش يا عمو الورد بقى بتاعك
خلاص.
خدت الباقة ومشيت وكل خطوة كنت بحس إن قلبي أتقل.
دخلت المدرسة وحطيت الورد على مكتبي.
الطلبة دخلوا الحصة وكلهم لاحظوا الورود.
واحد قال
إيه يا أستاذ داخل علينا بمزاج رومانسي النهارده
ضحكت وقلت
الورد ده مش رومانسي يا أولاد ده تذكرة.
بدأت أحكي لهم عن البنت الصغيرة اللي قابلتها وعن معنى العطاء اللي مش محتاج ثمن كبير
عن إن الورد اللي اشتريته كان أبرد من الجو لكنه سخن قلبي أكتر من ألف معطف.
قلت لهم
في الحياة ممكن كلمة صغيرة أو وردة رخيصة تغير يوم حد بالكامل.
الخير مش محتاج غنى محتاج قلب صاحي.
ومن بعدها بقيت أشوف في الصبح طلبة جايبين وردة صغيرة أو شوكولاتة متقسمة بينهم
مش علشان المناسبة لكن علشان يتعلموا يحسوا.
في نهاية الأسبوع لقيت ظرف صغير على مكتبي.
فتحته لقيت فيه وردة حمراء واحدة ومعاها ورقة مكتوب عليها بخط طفل صغير
إلى أستاذنا... اللي علمنا إن الجمال مش بس في الوردة
لكن في اللي بيهديها.
ضحكت وأنا حاسس إن الدنيا لسه
بخير
وإن وردة من طفلة صغيرة ممكن تزرع في القلب درس
ما تقدرش أي مدرسة في العالم تدرسه.

تم نسخ الرابط