في المرة الأولى التي أبطأت فيها سيارة الشرطة بجانبي
في المرة الأولى التي أبطأت فيها سيارة الشرطة بجانبي، قفز قلبي من مكانه.
عمري 78 عامًا. عندما ترى الأضواء اللامعة في المرآة الخلفية، تفكّر دائمًا في الأسوأ.
لكن السيارة لم تتوقف — فقط سارت ببطء بمحاذاة الرصيف حيث كنت أمشي.
ضابط شاب، بالكاد في الخامسة والعشرين، أنزل نافذته. كان يبدو أكثر توترًا مني.
قال بصوتٍ متردّد:
— “صباح الخير يا سيدي، كل شيء على ما يرام؟”
قلت له وأنا أرفع الترمس المعدني القديم في يدي اليسرى:
— “تمام يا حضرة الضابط، مجرد نزهة صباحية.”
تحوّلت عيناه إلى يدي اليمنى… ثم إلى الحبل الأحمر المصنوع من النايلون الذي كان يجرّ خلفي على الرصيف، خفيفًا بلا صوت.
قال الضابط برفق:
— “يا سيدي… أنت… أنت عارف إن مافيش كلب في آخر السلسلة دي، صح؟”
توقفت. نظرت إلى المشبك الفارغ في نهاية السلسلة، ثم إلى وجهه القَلِق الطيب.
عرفت تمامًا ما يراه: رجلٌ عجوز بمعطف رياضي قديم، يمشي وحده في شارع “مابل” الساعة السابعة صباحًا، يتمتم لنفسه (أفعل ذلك أحيانًا)، ويسحب كلبًا غير موجود.
عرفت ما يظنه الجيران. رأيتهم يزيحون الستائر خلسة.
وسمعت ابني “مارك” في الهاتف مع أخته، صوته منخفض:
— “لازم نتكلم عن بابا… حالته مش كويسة.”
يظنون أنني تائه. أن ذاكرتي تتآكل. يخافون أنني صرت شبحًا قبل أن أموت فعلاً.
لكن ما يرونه جنونًا… هو في الحقيقة
أتعرف؟ على مدى 47 عامًا، كانت هذه النزهة مهمة لثلاثة أشخاص: أنا، وزوجتي “إلينور”، و”باستر” — كلب صغير بأذنين متدلّيتين.
كل صباح، في السادسة والنصف، مطرًا كان أو شمسًا، أملأ الترمس بالقهوة — سكرين وملعقة كريمة، كما تحب هي — وأحمل فنجاني الخاص.
تربط “إلينور” السلسلة في طوق “باستر” وتقول بابتسامتها التي توقظ العالم:
— “جاهزين يا شباب؟”
ونبدأ السير.
عبر شارع “مابل”، مرورًا بدكان الزاوية حيث نأخذ الجريدة، ثم نلفّ حول بركة البط الصغيرة في الحديقة.
سرنا عبر ثلاث أزمات اقتصادية، واحتفلنا بقدوم حفيدين، ونجونا من انتخاباتٍ مرعبة أقسمنا ألا نتحدث عنها ثانية.
كنا نمشي في صمت عندما نغضب، ونسرع عندما نتحمّس، و”باستر” يلهث محاولًا اللحاق بنا.
رأينا أطفال الحي يكبرون، يذهبون للجامعة، ويعودون بأطفالهم.
تلك النزهة لم تكن عادةً… كانت مرساتنا في الحياة.
رحل “باستر” أولًا، قبل خمس سنوات. الشيخوخة أخذته بهدوء.
صار البيت أكثر صمتًا. في الصباح التالي حاولت أن أضع السلسلة في خزانة الممر.
قالت لي “إلينور” بصوتٍ ناعم:
— “لا، خلّيها يا فرانك.”
ثم التقطتها بيدها.
ومشينا صباحها، نحن الاثنين فقط.
أنا أحمل الترمس، وهي تحمل السلسلة الفارغة.
لم أفهم حينها. ظننتها غارقة في الحزن. لكنها كانت تمسكها كل يوم، لخمس سنوات كاملة.
وفي إحدى الأمسيات،
— “ليه لسه شايلة السلسلة دي يا إيلي؟”
ابتسمت — تلك الابتسامة التي أسرتني منذ 1975 — وقالت وهي تمرر إبهامها على المقبض:
— “هي مش فاضية يا فرانك… هي مليانة. مليانة بكل صباح ضحّكنا فيه، وبكل مرة طارد فيها باستر سنجابًا. الروتين، يا حبيبي، هو ذاكرة الحب في العضلات.”
لم أفهمها تمامًا، لكن لم أكن بحاجة إلى ذلك.
كنت فقط أحب أن أمسك يدها وهي تمسك السلسلة.
ثم، قبل ستة أشهر، أخذها السرطان. بسرعةٍ لم أستوعبها.
يومًا كنا نخطط لرحلة الصيف إلى أحفادنا، واليوم التالي كنا في غرفة بيضاء باردة مع أطباء لا يجرؤون على النظر في عيني.
صار الصمت في البيت مؤلمًا.
أسبوع كامل لم أتحرك.
الترمس فارغ. السلسلة معلّقة.
العالم في الخارج بدا رماديًا بعيدًا.
ثم، في أحد أيام الثلاثاء، استيقظت في السادسة والربع. وقفت في المطبخ… وسمعت صوتها واضحًا كأنها واقفة بجانبي:
— “جاهزين يا شباب؟”
غسلت الترمس. ملأته — سكرين وكريمة واحدة.
ارتديت معطفي. ونزعت السلسلة الحمراء من مكانها.
ما زال مقبضها يحمل أثر عطر اللافندر من كريم يدَيها.
ومنذ ذلك اليوم… أمشي.
أمشي بجانب شجرة البلوط الكبيرة التي كانت دائمًا تشير إليها عندما تخرج أول أوراق الربيع.
أجلس على مقعدنا الخشبي بجانب البركة، ذاك الذي به لوح معوج.
أشرب قهوتها، وأحدّثها. أحكي لها عن الأحفاد، وعن
وأشعر بها.
ضحكتها، عندما أكاد أتعثر بالحجر نفسه كل مرة.
يدها، وهي تنزلق في يدي.
وجودها، الدافئ، الثابت، بجانبي.
نظرت إلى ذلك الضابط الشاب. كانت يده قريبة من جهاز اللاسلكي، مستعدًا لطلب النجدة.
قلت له بصوتٍ غلّفه الحنين:
— “اسمها كان إلينور… ودي كانت سلسلتها. قبلها كانت بتاعة باستر.”
وأشرت بالترمس:
— “والقهوة دي ليها… سكرين وكريمة واحدة.”
ثم أخبرته بما قالت:
— “الروتين هو ذاكرة الحب في العضلات.”
تغيّر وجهه. اختفى منه الشفقة، وظهر الفهم.
قلت له:
— “الناس فاهمة الحزن غلط يا ابني. بيفتكروا إنه مرض. حاجة لازم تتعالج. بيفكروا إنك لازم ‘تتخطاه’.
بس أروح فين بعد ما أتخطاه؟ هي كانت بيتي سبعة وأربعين سنة.”
رفعت السلسلة:
— “ده مش خرف… ده إخلاص.
مش فقدان عقل… ده رفض إني أفقد مراتي.”
“لما أمسك السلسلة دي، أنا بمسك كل صباح عشناه سوا، وكل حديث هادئ، وكل ابتسامة شاركناها.
السلسلة فاضية… لكن إيدي مليانة.”
ظلّ صامتًا لحظة طويلة، ثم قال بهدوء:
— “أتمنالك نزهة طيبة يا سيدي.”
ابتسمت:
— “أكيد، يا حضرة الضابط… إحنا الاتنين هنستمتع بيها.”
قاد سيارته مبتعدًا. وأنا واصلت السير.
لذا، إن رأيتني يومًا، الرجل العجوز الذي يمشي بكلبٍ غير مرئي، لا تقلق.
لست تائهًا. أنا فقط آخذ طريقًا أطول إلى البيت — مع المرأة
الحزن، يا ولدي، هو الحبّ الذي لم يجد مكانًا يذهب إليه.
ولذلك… كل صباح، أمنحه طريقًا يمشي فيه