توفيت زوجة ابنها أثناء الولادة ثمانية رجال لم يتمكنوا من رفع النعش

لمحة نيوز

توفيت زوجة ابنها أثناء الولادة - ثمانية رجال لم يتمكنوا من رفع النعش، وعندما توسلت الحمات لفتحه…
تردّد صدى أبواق الجنازة الحزينة في الأزقة الضيّقة، يختلط بصوت المطر الذي ينقر بخفّة على سقف البيت المعدني الصدئ. في وسط الفناء، استقرّ النعش الذهبي فوق مقعدين خشبيين، تتراقص عليه انعكاسات الضوء الخافت، وكأنّه ما زال ينبض بالحياة.
ازدحم المكان بالمعزّين، رجال ونساء من القرية الصغيرة الواقعة على أطراف العاصمة، وجوههم يغلّفها الأسى، وأعينهم ترقب النعش بخوفٍ يشبه الخشوع.
كانت إيزيلا في الخامسة والعشرين فقط. منذ أن وطأت قدمها بيت عائلة راميريز، تغيّر كل شيء فيه.
كانت تستيقظ قبل الجميع، تملأ المكان برائحة الخبز الساخن والضحك، تنظّف، وتغنّي، وتطهو الطعام بحبٍّ صادق، كأنها خُلقت لتمنح الآخرين دفئًا وطمأنينة.
حتى الجيران كانوا يقولون: "بيت راميريز أصبح مشرقًا بفضلها."
كانت حماتها، دونا كارمن، تتحدّث عنها دائمًا بفخر أمام الجميع:
– "الزوجة اللي تخاف على بيتها كأنه بيت أهلها، دي مش مجرد زوجة... دي نعمة."
لكن النعمة تحوّلت إلى لعنة في ليلةٍ لم ينسها أحد.
كانت السماء تمطر بشدّة، والريح تعوي خلف النوافذ، حين بدأت إيزيلا تصرخ من الألم.
صرخ لويس زوجها يطلب المساعدة، وركض الجيران ليحضروا الطبيب، لكن الطريق كان مقطوعًا

بالماء. حاول أن يقودها بنفسه إلى المستشفى، كانت ترتجف بين يديه وتقول بصوتٍ مبحوح:
– "لويس... أرجوك... أنقذيها قبل أن تغادرني..."
لم يفهم، ظنّها تهذي. وعندما وصل إلى المستشفى بعد ساعتين من الرعب، كان الأوان قد فات.
لم تبكِ كارمن يومًا كما بكت تلك الليلة. كانت تركض في أروقة المستشفى، تنادي باسمها كمن فقدت عقلها، وحين رأت الجسد الصغير الراقد بلا حركة، جثت على الأرض واحتضنتها:
– "قومي يا بنتي... قومي خلينا نرجع البيت سوا..."
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الشمس تدخل بيت راميريز.
كل شيء تغيّر. حتى لويس، الذي كان شابًا مرحًا، صار صامتًا، شاحب الوجه، لا ينام، ولا يأكل، يقضي الليالي جالسًا أمام باب غرفتها، كأنه ينتظرها تعود.
في اليوم الثالث من الجنازة، حين اجتمع الناس لوداعها الأخير، بدا أن شيئًا غريبًا يخيّم على الفناء.
كلما حاول الرجال رفع النعش، لم يتحرّك قيد أنملة.
تبادلوا النظرات، ووجوههم تشحب أكثر كل مرة.
– "اثمانية رجال مش قادرين يرفعوا جسد واحدة؟"
– "ده مش طبيعي..."
صوتٌ همس من الخلف: "روحها لسه هنا... لسه زعلانة."
اقترب الكاهن بخطواتٍ بطيئة، رفع صليبه وقال:
– "افتحوا النعش. إن لم تجد الراحة، فلن ترتاح أرواحنا معها."
ارتجفت دونا كارمن وهي تمسك القفل، أناملها ترتعش كأنها تلمس نارًا.
فتحته ببطءٍ، وما
إن رُفع الغطاء حتى عمّ المكان صمتٌ تام، لا يُسمع فيه سوى أنين المطر.
كانت إيزيلا هناك، مهيبة كالملاك، بشرتها ناصعة، شفتيها منفرجتان قليلًا، وعلى وجنتيها بقايا دموعٍ لم تجفّ بعد.
شهقت امرأة:
– "دي مش ميتة! شوفوا... لسه دافئة!"
صرخت كارمن، وارتمت على الجسد تبكي:
– "إيزيلا! يا ابنتي... سامحينا، سامحيه، سامحينا كلنا!"
عندها فقط، ارتفع صوت لويس من الخلف، متهدّجًا كأنه يخرج من صدرٍ محطم:
– "لا تطلبوا منها المغفرة... المغفرة لي وحدي!"
التفت الجميع نحوه، فوجدوه راكعًا تحت المطر، ملابسه ملتصقة بجسده، ويداه ترتعشان.
اقتربت أمه منه مذعورة:
– "لويس! ماذا تقول؟!"
– "أنا السبب يا أمي... لم أستمع لها. كانت تتألم، وأنا اتهمتها بالأنانية. قلت لها إنها تبالغ... إنها تضعف لأجل طفلٍ لم يُخلق بعد. وفي تلك الليلة... كنت غاضبًا جدًا..."
شهق الناس. سقط على الأرض، يضرب صدره بقبضته، وصوته يرتجف:
– "هي كانت تبكي، تقول لي: لويس، بنتنا بتختنق! وأنا كنت أصرخ فيها وأسحبها من ذراعها... ليتها صرخت بوجهي أكثر! ليتها كرهتني... لكن حتى في النهاية، ابتسمت لي وقالت: ما تزعلش مني... يمكن ربنا شايف حاجة أحسن."
أجهشت كارمن بالبكاء، اقتربت من النعش، وضعت يدها على وجه إيزيلا:
– "حتى بعد موتك، لسه بتخلي قلبنا يتعلم الحب..."
وبينما كانت
تبكي، اهتزّ النعش اهتزازة خفيفة، ثم سكن.
شهق الجميع.
لويس رفع رأسه بدهشة، نظر إلى الكاهن الذي أغمض عينيه وقال:
– "الروح غفرت... الآن يمكنها أن ترحل بسلام."
اقترب الحاملون، رفعوا النعش بسهولة هذه المرة، وكأنه صار خفيفًا كالهواء.
تعالت أبواق الجنازة من جديد، واختلط صوتها بصوت المطر، كأن السماء نفسها تبكي إيزيلا.
أما لويس، فظلّ راكعًا في الفناء، يده على موضع صدره، وصوته يتهدّج بالدعاء:
– "اغفري لي، يا من علّمتيني معنى الرحمة... اغفري لي لأتعلم كيف أعيش من بعدها."
منذ ذلك اليوم، لم يرَ لويس وجهها إلا في الأحلام.
كانت تأتيه كل ليلة تقريبًا، بنفس الفستان الأبيض، تبتسم له برقة، ثم تهمس:
– "الندم يطهّر يا لويس، لكن لا تبنِ حياتك فوق قبر... عِشْ، لأجلنا."
وبعد سبع سنوات، حين مات لويس في حادث سيارة، وجدوه ممسكًا بصورة إيزيلا بين يديه، وعلى وجهه نفس الابتسامة الهادئة التي كانت تزيّن صورتها فوق النعش في ذلك اليوم الماطر.
وحين دُفن بجوارها، لم يتمكّن الحاملون من إنزال النعش بسهولة.
ابتسم الكاهن وقال بصوتٍ خافتٍ يختلط بالمطر:
– "حتى الموت نفسه... لا يستطيع أن يفرّق بين من غفر ومن أحب."
ومنذ ذلك اليوم، يُقال إن بيت راميريز لم يُسمع فيه بكاءٌ بعدها أبدًا.
فقط... في ليالي المطر، تُسمع همسات خافتة تشبه ضحكة أنثى
شابة، وصوت رجلٍ يهمس:
"آسف يا إيزيلا... آسف."

 

تم نسخ الرابط