الخيّاطة التي خاطت فساتين من ملابس ابنتها الراحلة
الخيّاطة التي خاطت فساتين من ملابس ابنتها الراحلة
ينساب الخيط الأزرق السماوي بين أصابعي كما لو كان حيًّا.
خَطَطتُ به آلاف المرات، في آلاف الفساتين، لكنه دائمًا الخيط نفسه —
ذلك الذي اشتريته في ظهيرة مارس، عندما بلغت صوفيا الخامسة، وطلبت مني فستانًا “بلون السماء عندما لا تكون فيها غيوم، ماما.”
لكنها لم ترتده قط.
فالسرطان أخذها بعد شهرين، وتركني هنا، في هذه الورشة التي تفوح منها رائحة القماش الجديد والوعود المكسورة، محاطة بخزانة مليئة بملابس لم تتح لابنتي الصغيرة فرصة ارتدائها.
في البداية، لم أكن أستطيع حتى النظر إليها.
ثم، في إحدى الليالي التي لم أستطع فيها النوم، فتحت أبواب الخزانة، ولمست كل قطعة كما لو كانت بشرتها.
الفستان الأزرق السماوي.
السترة المطرّزة بالخنافس الصغيرة.
التنورة الوردية المصنوعة من التول التي كانت ستجعلها تشعر وكأنها راقصة باليه.
فكرت:
“يجب أن ترتديها فتيات أخريات.
يجب أن ترى أمهات أخريات بناتهن سعيدات فيها.”
وهكذا بدأت.
كنت أفكّ كل غرزة بعناية، كأنني أفكك حلمًا قطعة قطعة،
ثم أحيك فساتين جديدة.
أصغر، أكبر، مختلفة ولكنها نفسها.
كل غرزة كانت صلاة.
وكل فستان، قطعة من صوفيا تسير في العالم
كانت الزبونات يأتين، يشترين، ويرحلن سعيدات.
لم يسأل أحد من أين آتي بتلك الأقمشة الناعمة، ولا تلك الألوان المثالية.
حتى جاءت هي.
كان يوم ثلاثاء ماطرًا.
امرأة شعرها مبتل، وحذاؤها مهترئ.
خلفها طفلة في نحو السادسة، تتشبث بطرف تنورتها بأصابع صغيرة مرتجفة.
قالت المرأة بصوت خافت:
“عذرًا سيدتي… هل تخيطين فساتين للفتيات الصغيرات؟”
ابتسمت وقلت:
“بالطبع. تفضلي، اجلسي.”
جلست المرأة على حافة الكرسي كأنها لا تريد أن تحتل مساحة كبيرة في هذا العالم.
أما الطفلة فظلت واقفة، تنظر إلى الأقمشة المعلقة على الجدران بعينين واسعتين تشعان انبهارًا.
قالت الأم بصوت متهدج:
“ابنتي… لوسيا، لديها عرض مدرسي. مهرجان نهاية العام.
كل الفتيات سيرتدين فساتين جميلة، وأنا…”
توقفت لبرهة، ثم أضافت:
“ليس لدي الكثير من المال، لكنني كنت أوفر منذ ستة أشهر… قطعة قطعة.”
أخرجت من جيبها منديلًا معقودًا، فتحته بعناية كما لو تفتح كنزًا، وسكبت على الطاولة حفنة من العملات وبعض الأوراق المهترئة.
“لا أعرف إن كان هذا كافيًا، ولكن…”
قلت دون أن أعد النقود:
“كافٍ تمامًا. أي نوع من الفساتين تريدين يا لوسيا؟”
رفعت الطفلة نظرها
نفس لون عيني صوفيا — بني دافئ تتناثر فيه بقع ذهبية حين يضيئه الضوء.
همست الطفلة:
“فستان أزرق… بلون السماء عندما لا تكون هناك غيوم.”
توقف العالم.
كان الخيط الأزرق السماوي في سلّتي، ينتظر.
آخر بَكْرة.
تلك التي احتفظت بها، عاجزة عن استخدامها، لأنها كانت آخر ما تبقى من الفستان الأصلي — الفستان الذي صنعته بيديّ لابنتي.
قالت الأم بقلق:
“هل أنتِ بخير، سيدتي؟”
اكتشفت أن الدموع كانت قد بدأت تنهمر على وجهي.
“نعم، نعم…” — مسحت وجهي بظهر يدي —
“فقط… لديّ القماش المثالي.”
ذهبت إلى الخزانة.
هناك كان الفستان: الأزرق السماوي، سليمًا، ما زال يحمل البطاقة التي لم أزلها قط:
“إلى صوفيا، بكل الحب. من أمك.”
أمسكته وعدت إليهما.
قلت للأم:
“هل يمكنكما العودة بعد ثلاثة أيام؟”
قالت:
“بالطبع.”
ثم بدأت تجمع نقودها، لكنني أمسكت بيدها وأغلقت أصابعها عليها.
“احتفظي بها. هذا الفستان… مدفوع الثمن بالفعل.”
على مدى ثلاثة أيام، لم أنم.
فككت فستان صوفيا غرزة غرزة، أبكي عند كل خيط، وأقبّل كل قطعة قماش.
كنت أكلّمها وأنا أعمل:
“ستفرح فتاة أخرى بهذا يا حبيبتي.
وأمّ أخرى سترى ابنتها تتألق.
أنت تفهمين، أليس كذلك؟”
وأقسم
في رائحة اللافندر التي ملأت المكان فجأة،
وفي الطريقة التي انزلقت بها الإبرة بسلاسة،
كأن أيدٍ خفية كانت ترشدني.
خرج الفستان جميلًا.
أجمل من الأصلي.
أضفت على حافته تطريزات صغيرة على شكل فراشات، لأن صوفيا كانت تحب الفراشات.
كانت تقول دائمًا: “هي أرواح تطير.”
حين عادت الأم ولوسيا، صرخت الطفلة فرحًا حين رأته:
“إنه رائع! تمامًا كما حلمت به!”
قلت وأنا أبتلع دموعي:
“جربيه، عزيزتي.”
ذهبت لوسيا خلف الستارة، وحين خرجت، أقسم أنني رأيت صوفيا لثانية واحدة.
نفس البريق في العينين.
نفس الابتسامة التي كانت تملأ الغرف نورًا.
قالت الطفلة وهي تدور حول نفسها:
“ما رأيكِ يا أمي؟”
أجابت الأم والدموع تنهمر بصمت، مثلي تمامًا:
“تبدين كالملاك.”
ركضت لوسيا نحوي وعانقت ساقيها الصغيرة لي وهي تقول:
“شكرًا، يا سيدة الفستان السحري.”
وحين رحلتا، بقيت وحدي في الورشة.
كانت الخزانة فارغة الآن.
كل قطعة وجدت طريقها.
كل جزء من صوفيا سار في العالم في هيئة فساتين وتنّورات وبلوزات… وأحلام مكتملة.
جلست على مقعدي، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، ابتسمت دون ألم.
“أحسنتِ يا ماما.”
سمعت صوتها في قلبي — واضحًا كالماء.
أخذت قطعة قماش جديدة من الرف.
بلون الشمس.
وبدأت أخيط فستانًا جديدًا.
ليس لصوفيا هذه المرة،
بل لكل صوفيات العالم.
حتى لا يُحبس الحب أبدًا داخل خزانة