اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي تتبعني هي أمي
اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة التي كانت تتبعني بعد المدرسة... هي أمي
المرأة التي نعتها الجميع بالجنون، لم تكن مجنونة على الإطلاق... كانت فقط أماً تبحث عن ابنتها بين الشوارع.
لـسنوات ظلت تتبعني بعد المدرسة حافية القدمين تهمس باسمي بصوتٍ غريب. كنت أهرب منها وأنا لا أعلم أن تلك المرأة التي خفتُ منها طويلاً
لطالما ظننتُ أن تلك المرأة التي تلاحقني بعد المدرسة مجرد غريبة فقدت عقلها.
شعرها أشعث، قدماها حافيتان، تهمس باسمي ثم تختفي بين الأزقة.
القديمة.
لم تكن مجنونة كما قالوا… كانت فقط أمًا تائهة تبحث عن ابنتها في عالمٍ قاسٍ نسي الرحمة.
كنت في الثانية عشرة من عمري حين بدأتُ ألاحظ تلك المرأة الغريبة التي تتبعني بعد المدرسة.
كانت تظهر دائمًا عند البوابة القديمة، حافية القدمين، بشعرٍ متشابك كأغصان الخريف، وعيونٍ غائرة كأنها تبحث عن شيء مفقود.
تتبعني بخطواتٍ مترددة وتهمس باسمي... بصوتٍ بالكاد يُسمع.
كنت أهرب منها، أركض مع صديقتي “نومسا” ونحن نضحك بخوفٍ مصطنع، نحاول إخفاء الرعب الذي يتسلل من عينيها إلى صدورنا.
قالوا إنها مجنونة.
تعيش تحت الجسر القديم، تتحدث مع الأرواح، وتجمع القمامة لتصنع منها عالماً خاصًا بها.
كنت أصدق كل ما يُقال. كنت طفلة لا تعرف من الحياة إلا ما تسمعه.
ولم يخطر ببالي يومًا أن لتلك المرأة حكاية تشبه حكايتي، وأن القدر كان يخبئ لي صدمة تُعيد ترتيب
كل ظهيرة، كنت أتعمد أن أبدو منشغلة، أتظاهر بعدم ملاحظتها، أُسرع بخطواتي على الطريق الترابي، أراقب ظلها يبتعد شيئًا فشيئًا.
لكن في داخلي، كان هناك شعور غريب، كأنني أعرفها منذ زمن بعيد.
كانت عيناها داكنتين، مرهقتين، تشبهان شيئًا من وجهي حين أبكي.
وفي بعض الليالي، كنت أستيقظ من نومي فأراها عبر نافذة غرفتي، جالسة على الرصيف المقابل، تنظر إلى بيتنا بصمت، كما لو كانت تحرسه.
كنت أختبئ خلف الستارة وأرتجف.
شيء في نظرتها كان يضيق صدري… خليط من الحنين والذنب والخوف.
ولم أكن أعلم وقتها أن ما رأيته في عينيها لم يكن سوى حبٍ خالص، ضاع طريقه في فوضى العالم.
جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
كانت السماء رمادية، والمطر يهطل بغزارة، والشوارع مملوءة بالطين والماء.
كنت أركض عائدة من المدرسة حين انزلقتُ وسقطت على الأرض، جرحٌ صغير على ركبتي جعل الدموع تتجمع في عينيّ.
وفجأة، سمعت وقع أقدام سريعة، ثم رأيتها تركض نحوي.
ركعت بجانبي ومدّت يديها لتساعدني.
كانت ترتجف، وصوتها يخرج متقطعًا، خائفًا، لكنه مليء بالعاطفة.
قالت بصوتٍ خافت:
"طفلي... هل أنت بخير؟"
تجمّدت.
الكلمة اخترقتني كما تخترق السكين اللحم الطري.
ذلك الصوت... كان يشبه حلمًا قديمًا.
شيئًا في داخلي همس: لقد سمعت هذا الصوت من قبل.
مدّت يدها إلى جيبها وأخرجت صورة صغيرة.
كانت الصورة باهتة، لطفلٍ صغير ملفوفٍ ببطانية صفراء،
همست وهي تبتسم بخوف:
"هذا أنت يا ثاندي."
نظرت إليها، ثم إلى الصورة.
على ظهرها كان مكتوبًا: “ثاندي – بعد الميلاد بأربعة أشهر” بخطّ يدٍ مرتجف.
هو نفس الاسم الذي في بطاقتي المدرسية.
ارتجف قلبي كأن أحدهم نزع الغشاوة عن حياتي دفعةً واحدة.
في تلك الليلة لم أستطع النوم.
جلستُ في الظلام، أسترجع ملامح وجهها وصوتها ونظرتها حين نادتني بـ “طفلي”.
وفي الصباح، واجهتُ عمّتي التي ربّتني منذ كنت صغيرة.
كانت تمسك فنجان قهوتها، وحين سألتها عن المرأة التي تلاحقني، توقّف الفنجان في يدها، وارتجفت أصابعها.
قالت بصوتٍ متعب، كأنها تحمل سرًا ثقيلاً منذ سنين:
"ثاندي... تلك المرأة هي أمّك."
شعرت كأن الهواء انسحب من الغرفة.
نظرتُ إليها غير مصدّقة.
تابعت وهي تحاول أن تبتلع دموعها:
"بعد وفاة والدك، فقدت أمّك توازنها. صارت تتحدث مع نفسها، تنسى الأيام والأسماء. حاولتُ مساعدتها، لكنها انهارت تمامًا. كانت تخاف عليكِ، تراكِ ثم تنسى من أنت. حينها قررت أن تعيشي معي حتى تتعافى... لكنها لم تتعافَ."
ظللتُ صامتة.
كل كلمة منها كانت كصفعة تردّ إليّ ملامح منسية، رائحة حضن، وصوت أغنيةٍ قديمة كانت تهمسها لي قبل النوم.
في صباح اليوم التالي، خرجتُ إلى شارع “مارولا”.
تحت شجرة الجاكارندا، كانت جالسة كعادتها، تغنّي بصوتٍ خافت لنفسها.
حين رأتني، توقّفت عن الغناء فجأة، كأنها رأت
تقدّمتُ نحوها ببطء، وقلبي يخفق بشدّة، ثم جلستُ أمامها.
همستُ بصوتٍ مرتجف:
"أمي... أنا ثاندي."
اتّسعت عيناها، وبدأت الدموع تنهمر بصمت.
مدّت يدها لتلمس وجهي، كانت أصابعها باردة ومرتجفة.
قالت وهي تبكي:
"كنت أعلم أنك ستعودين إليّ... كنت أراك في أحلامي كل ليلة."
احتضنتها.
وللحظة شعرت أن العالم كله توقف.
لم يعد هناك مجنونة أو طفلة خائفة أو عمة تخفي الأسرار.
كان هناك فقط أمّ وابنتها... وضوء شجرةٍ ينساب عليهما كغفران.
منذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
صرنا نزورها كل أسبوع.
أحضر لها الطعام والملابس، وأجلس معها أستمع إلى أغانيها القديمة.
كانت في بعض الأيام تبتسم وتغني لي تهويدة طفولتي، وفي أيامٍ أخرى تسرح في صمتٍ بعيد، تنسى حتى اسمي، ثم تعود لتهمس:
"طفلتي الجميلة، عدتِ إليّ."
كنت أبكي كل مرة.
لكنني لم أعد أبكي خوفًا أو ندمًا، بل امتنانًا.
فقد علمتني أن الحب الحقيقي لا يزول حين ينكسر، بل يصبح أعمق، أنقى، وأهدأ.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت تسند رأسها على كتفي وتغفو بسلام، همست قبل أن تغيب عن الوعي:
"الآن أستطيع أن أنام... لأن قلبي وجد طريقه إليك."
ابتسمت، ومسحت على شعرها الأشعث برفق.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني لست وحيدة.
لقد عادت أمي إليّ، ولو بعد عمرٍ من الغياب.
والغفران... كان أجمل نهاية لكل الحكايات.
قصة "اليوم الذي اكتشفت فيه أن المرأة المجنونة كانت
فحين يسقط العالم من حولنا، تبقى الأمّ دائمًا هناك... تهمس باسمنا حتى وإن نسيناها.