تلقيت المكالمة في ظهيرة يوم غائم

لمحة نيوز

تلقيت المكالمة في ظهيرة يوم غائم في سياتل بينما كان المطر يهطل على نافذتي كأنه يعلن نهاية انتظار طويل. كان صوت مسؤول التوظيف مفعما بالحيوية والتهاني وتبعت المكالمة رسالة بريد إلكتروني مليئة بالأرقام والمزايا راتب أساسي قدره 350000 دولار وخيارات أسهم ومزايا أخرى كثيرة كأنها تغطي جدارا كاملا من الكلمات اللامعة.
مهندس برمجيات أول في شركة تيك كورب. الوظيفة التي كانت تسكنني منذ اللحظة التي فتحت فيها أول جهاز كمبيوتر عائلي وأعدت تركيبه مستخدما عددا أقل من البراغي مما بدأت به.
تم الحوار بالفصحى واللهجة بالعامية 
بكيت للحظة قصيرة. لم يكن بكاء حزينا بل كتنفيس بعد ضغط طويل. ست سنوات من العمل ثمانين ساعة أسبوعيا من ليال قضيتها أتعلم لغات جديدة بينما زملائي في الجامعة يسهرون في الحانات وعلى الشواطئ من الأدوار الصغيرة إلى المتوسطة ثم الصعود

الهادئ نحو القمة. كل ذلك تلخص في سطر واحد يبدأ بعلامة الدولار وينتهي باسمي.
اتصلت بأمي وأبي لاحقا وأنا أمشي في الشقة جيئة وذهابا
ماما بابا مش هتصدقوا جالي الشغل في تيك كورب!
ساد صمت صمت غريب اخترت أن أسميه مفاجأة.
قالت أمي أخيرا
ده خبر حلو يا حبيبتي... بس لازم نتكلم.
لو كنت منتبهة فعلا كنت سأسمع في نبرتها ما يتجاوز الفخر. لم يكن فخرا بل ترتيبا لشيء قادم.
قدت سيارتي إلى المنزل في نهاية الأسبوع كطفلة عائدة من مغامرة أقطع الضباب بأضواء عالية وأرى الأميال تتلاشى عبر واشنطن وأوريغون حتى دخلت أوهايو. رائحة العشب المقصوص والفحم ومصنع فورد البعيد كانت كأنها دليل الطريق. بدا المنزل كما تركته فقط أكثر لمعانا في الأماكن التي لمستها أموالي.
دخلت المطبخ الذي ساعدت في تجديده كانت الأسطح الحجرية التي اخترتها لامعة تحت يدي. جلست أمي وأبي على الطاولة
أيديهما متشابكة ووجوههما مرتبة كأنهما في اجتماع رسمي. لم تكن أختي جيسيكا موجودة وكان غيابها مريبا.
قال أبي
اقعدي يا سارة.
كان صوته حادا مثلما كان دائما عندما يتحدث عن شيء جدي. جلست. دفعت أمي دفترا حلزونيا
نحوي مليئا بالأرقام والمصروفات.
قالت وهي تعدل الصفحة
كنا بنفكر في دخلك الجديد وافتكرنا إن الوقت جه إنك تساهمي أكتر في رفاهية العيلة.
قلت بحذر
بس أنا بالفعل بساعد كتير وانت عارف كده.
رد أبي وجهه احمر
مش كفاية. إنتي داخلة على فلوس ناس ما بتحلمش بيها. آن الأوان تفتكري مين رباك ومين وقف جنبك.
نظرت إليهما بصمت.
قالت أمي وهي تتنفس بعمق
احنا شايفين إنك تدينا خمسين في المية من مرتبك للمصاريف والمعاش وأربعين في المية لجيسيكا تساعدها تبدأ حياتها.
قلت بدهشة
يعني عايزيني أتنازل عن تسعين في المية من مرتبي!
قالت أمي بهدوء مصطنع
مش تنازل يا حبيبتي
ده عطاء. إحنا ربيناكي ودفعنا مصاريف الجامعة وساعدناكي. وجيسيكا محتاجة دعمك.
قلت بصوت حاد
أنا دفعت مصاريف الجامعة بنفسي بمنح وقروض. وسددتلكم كل اللي عليكم وزيادة.
انعقد فك أبي وقال پغضب
شايفة نفسك علينا فاكرة إنك أحسن مننا عشان بتكسبي أكتر
ده مش اللي قلته.
قالت أمي وقد اختفى اللطف من نبرتها
هو ده اللي قصداه بالظبط. وبعدين عشرة في المية من 350 ألف يعني 35 ألف دولار وده أكتر من مرتبات ناس كتير. هتبقي بخير.
نظرت إلى دفتر الملاحظات إلى اسم جيسيكا الذي احتل عمودا كاملا. قلت قبل أن أتمالك نفسي
يمكن جيسيكا كان لازم تذاكر أكتر في الجامعة أو تدور على شغل أحسن بدل ما تفضل في المطعم.
ضړب أبي الطاولة بيده
كفاية! هتعملي اللي بنقولك عليه وإلا اقطعي علاقتك بينا خالص. العيلة لازم تساعد العيلة.
كانت الأرض تميل بي والغرفة تدور. ثم خرج صوت جيسيكا من باب
القبو حافية القدمين بشعر فوضوي وقميص رياضي كبير.

تم نسخ الرابط