مدير الشركة التنفيذي

لمحة نيوز

قربت منه بهدوء وهو مغمض عيونه... كانت بتبص عليه بذهول وما صدقتش اللي حصل.
ده يبقى الرئيس التنفيذي اللي نايم من تلات سنين.
كانت متأكدة إنه مش هيفتح عينيه تاني.
بس الصدمة؟
إنه فجأة مدّ إيده... ومسكها بقوة... واللي حصل صدم الكل.
رائحة الغرفة كانت خفيفة، مزيج من المطهّر والزنابق – الزهور اللي بتحبها واللي كانت دايمًا بتجيبها له كل يوم، حتى وهي عارفة إنه مش هيشمها.
تلات سنين وهي بتعيش بين الأمل واليأس. كل صباح تدخل الغرفة نفسها، تشوف وجهه اللي الوقت سرق منه الحياة، وتقول لنفسها يمكن النهارده يصحى.
لكن النهارده كان مختلف.
إيثان كول — الرجل اللي كانوا بيسموه “الرئيس التنفيذي الجليدي”.
عقله أسرع من أي كمبيوتر، نظرته بتخوف أكبر رجال الأعمال.
كان رمز للسيطرة، للذكاء... وللوحدة.
بس بعد الحادثة، اتحول من رمز للقوة لجسد ساكت، مربوط بأجهزة بتتنفس مكانه.
الأطباء قالوا إن مجرد بقاؤه حيّ معجزة.
لكن أوليفيا؟ ما شافتش فيها معجزة.
كانت شايفاها لعنة... عقوبة من الحياة ليهم هما الاتنين.
وفي الصبح ده، بعد ما وقّعت على أوراق جديدة لتكاليف العلاج اللي ما خلصتش، حسّت إن روحها بتتفتّت.
قربت منه، عدّلت خصلة شعره بإيد مرتعشة، وقالت بصوت اتكسر:
"كنت بتقول إنك مش هتسيبني أبدًا... طب ليه سبتني لوحدي؟"
كأنها كانت بتكلم شبحه مش هو.
ومن غير ما تفكر، لمسته لمسه، فيها وجع سنين، خوف، وحنين مدفون.
لكن في اللحظة دي... حصل المستحيل.
إيده الباردة، اللي كانت ساكنة من تلات سنين، اتحركت... مسكت معصمها

بقوة.
النبض رجع... وصوته طلع خافت، مبحوح، كأنه جاي من تحت الأرض:
"أوليفيا...؟"
تجمدت مكانها، دقات قلبها كانت أقوى من صوت الأجهزة.
"إيثان؟!"
فتح عينه بصعوبة، ونظرها مليانة دموع وخوف في نفس الوقت.
وفجأة، شدّها لحضنه.
"كنت فاكر... إني فقدتك."
دموعها نزلت غصب عنها وهي تهمس:
"إنت اللي اختفيت... تلات سنين يا إيثان."
حرك عينيه حواليه، الارتباك مالي ملامحه:
"تلات... سنين؟!"
صوت الأجهزة بدأ يرنّ، والتمريض اندفع ناحيتهم، الأطباء بيصرخوا أوامر، لكن كل ده اختفى بالنسبة لأوليفيا.
هي كانت محبوسة في لحظة وحدة... لحظة رجوعه للحياة.
بس ما كانتش تعرف إن اللحظة دي هتفتح أبواب جحيم أكبر.
لأن لما إيثان كول فاق، ما فاقش بنفسه اللي كانوا يعرفوه.
الراجل اللي قدامها كان عنده نظرة مختلفة... فيها حيرة، فيها وجع، وفيها حاجة تانية — سِرّ.
سِرّ لو طلع للنور، ممكن يهد كل اللي بنوه.
تلات سنين من الصمت كانت كفاية تخلي الحقيقة تتغير.
بس أوليفيا لسه مش عارفة إن اللي رجع من الغيبوبة مش هو نفس الراجل اللي دخلها.
الليلة اللي حصل فيها الحادث كانت النقطة اللي غيرت مصيرهم.
الليل، المطر، الطريق المبلول، وصوتها العالي وهي بتصرخ فيه.
هو كان بيحاول يهديها، يمسك إيدها، لكنها كانت غرقانة في خوفها وغضبها.
وفي لحظة، نور العربية التاني خبط فيهم...
ومن بعدها، كل حاجة بقت ظلام.
بس يمكن... مش كل اللي حصل اتنسي.
يمكن في عقل إيثان حاجة لسه عايشة... حاجة مرعبة.
ومن بعدها، فضلت تيجي كل يوم، تحكيله عن شغله اللي اتقفل،
عن الناس اللي نسيوه، عن نفسها اللي بقت ظلّها.
كانت بتتكلم وهو ساكت، بتضحك وهو ما بيردش، وبتبكي وهو نفس الملامح الباردة، كأنه في عالم تاني.
لكن وجوده، حتى وهو غايب، كان بيخليها تحس إنها لسه عايشة.
وفي الصبح ده، بعد ما وقّعت على ورقة جديدة لتكملة علاجه، حسّت إنها خلاص انهارت.
قربت منه، لمست وشه البارد وقالت بصوت مرتجف:
"كنت بتقول مش هتسيبني أبدًا... طب ليه سبتني؟"
وقبل ما تستوعب اللي بتعمله، كسرت حاجة في الزمن.
الهواء اتغير، الأجهزة لوهلة خفت صوتها، وكأن العالم حبس أنفاسه.
إيده اتحركت.
مسك معصمها بقوة.
فتح عينيه.
صوته خرج مبحوح، لكنه حيّ:
“أوليفيا؟”
اتجمدت مكانها، عينيها بتلمع بخوف وفرحة في نفس اللحظة.
"إيثان؟!"
فجأة، صوته بيرتعش:
"كنت فاكر إني فقدتك..."
دموعها نزلت غصب عنها وهي تهمس:
"إنت اللي غبت... تلات سنين يا إيثان."
فتح عينيه ببطء، نظراته تايهة، كأنه بيحاول يفتكر العالم من جديد:
"تلات... سنين؟!"
الأطباء والممرضين دخلوا بيجروا، الأجهزة بتزن، لكن صوتهم كان بعيد... بعيد جدًا.
هي وهو بس، والعمر اللي ضاع بينهم.
الأيام اللي بعدها كانت غريبة.
فرح ممزوج بخوف، وضحك فيه رجفة.
إيثان فاق، بس ما بقاش نفس الشخص اللي نام من تلات سنين.
سكت كتير، عيونه بتحكي أكتر من كلامه، وكأن جواه حرب محدش شايفها.
وفي يوم، وهما قاعدين في الجنينة بتاعة المستشفى، سألها بهدوء وهو بيتأمل الشجر:
"ليه كنتِ بتروحي كل يوم؟ كان ممكن تكمّلي حياتك."
ضحكت ضحكة فيها وجع وذكريات وقالت:
"لأني كنت
السبب."
سكت لحظة طويلة، وبعدين قال بنبرة هادية كأنها حكمة مكتوبة في قلبه:
"القدر بيكسرنا... عشان نعرف إحنا مين فعلاً."
بصّت له، قلبها بيرتعش بين الندم والحنين، وسألته:
"وإنت؟ عرفت نفسك؟"
ابتسم ابتسامة باهتة، فيها سلام بعد عاصفة طويلة:
"كنت فاكر إني كنت عايش قبل الحادث... بس الحقيقة، يمكن بدأت أعيش لما صحيت وشفتك لسه هنا."
ومرّت الشهور.
بدأ يمشي تاني، وبدأ يتكلم أكتر.
بس كل حاجة فيه اتغيّرت — مش بس في جسمه... في روحه.
بطل يدير الشركات، باع كل حاجة، وبدأ من الصفر.
أنشأ مؤسسة خيرية سماها "حياة"، بتساعد مصابي الحوادث اللي فقدوا الأمل، اللي الدنيا قالت لهم “خلاص”، وهو بيقول لهم “لسه”.
وأوليفيا كانت جنبه، المرة دي مش كسكرتيرة ولا حبيبة في الظل... كانت شريكته في كل شيء — في الشغل، وفي الحلم، وفي الحياة.
الناس كانت بتسألها بفضول:
"إزاي قدرتي تستنيه كل ده؟"
وكان ردها دايمًا بسيط، صادق:
"لأن في ناس بنستناهم مش بالجسد... بنستناهم بالروح."
وفي يوم بعد سنة من رجوعه، كانوا في نفس الغرفة اللي بدأت منها الحكاية.
نفس السرير، نفس رائحة الزنابق، بس المرة دي مفيش أجهزة ولا وجع.
إيثان كان واقف على رجليه، لابس بدلة بسيطة، ماسك وردة زنبق بيضا، وابتسم.
قال لها وهو بيقرب:
"فاكرة أول قبلة؟ اللي رجّعتني؟"
ضحكت، عيونها فيها دموع ودفء:
"إزاي أنساها؟ كانت أغبى حاجة عملتها في حياتي!"
قرب منها، وقال بهدوء كأنه بيعترف بسرّ:
"يمكن أغبى حاجة... بس كانت السبب إني أعيش تاني."
سكت لحظة، وبعدين
قال بصوت واطي، صادق لدرجة الوجع:
"الحياة ساعات بتوقفنا عند الموت... عشان تفكرنا يعني إيه نعيش فعلاً."

تم نسخ الرابط