طفلان مشردان طلبا بقايا الطعام لكنهما أعادا لأم قلبها المفقود
طفلان مشردان طلبا بقايا الطعام لكنهما أعادا لأم قلبها المفقود
تجمدت اللحظة في الهواء كأن الزمن تعثر خطوة أمام طاولتها.
نظرت إيما إلى العقد الرفيع المعلق في عنق الصغير دائرتان فضيتان منقوشتان بحرفين أولين تعرفهما أكثر مما تعرف اسمها L و.
هذا العقد كانت قد طلبته خصيصا قبل اختفائهما بأشهر واحدا لكل طفل حرفا لكل قلب.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة أم تحاول ألا تفزع صغارها
اسمعا... لا تأكلا بقايا أحد اختارا ما تحبان وأنا التي سأدفع.
تبادلا نظرة قصيرة فيها حذر الشوارع الجائعة ثم جلسا في صمت متوتر. رفعت إيما يدها للنادلة وقالت بسرعة
وجبتان كاملتان من البرغر والبطاطا وحليب بالشوكولاتة أرجوك بسرعة.
وبينما كانا ينتظران حاولت إيما أن تستجمع شتات صوتها تحارب ارتجافه كمن يسير على حافة هاوية
من أين أتيتما من يهتم بكما
شد الأكبر كتفيه وصوته بدا خشنا أكبر من عمره
لا أحد... كنا مع رجل فترة ثم تركنا. ننام أحيانا في المأوى وأحيانا في الشوارع.
توقفت يد إيما في الهواء كأن الكلمة الأخيرة صفعتها رجل
قال الأصغر وهو يعبث بحافة المنديل بين أصابعه الصغيرة المرتجفة
كان يقول إننا غاليان... ثم قال إننا لم نعد ننفع.
وصل الطعام فانقضا عليه في صمت جائع. كانت إيما تراقبهما بعينين لا تعرفان
تحت الطاولة فتحت هاتفها بيد مرتجفة وأرسلت رسالة قصيرة إلى أخيها
أنا في مطعم هاربر هاوس. طفلان نسخة طبق الأصل من ليام وإيثان. الندبة الشامة العقد. تعال فورا ومعك المحققة آنا. أرجوك بسرعة.
مرت الدقائق ببطء خانق. كل ثانية كأنها عام. وحين دخل دانيال ومعه المحققة آنا راميريز كانت يد إيما مشدودة حول كوبها كمن يخشى أن ينهار العالم لو تركه.
لمح الصبيان شارة الشرطة على خصر آنا فتصلب الأكبر في مكانه ووزن المسافة إلى الباب بعين خبير تعلم الهرب.
بادرت إيما بصوت حنون
لا تخافا هذه صديقتي لن تؤذيكما. نريد فقط مكانا دافئا الليلة سريرا وأكلا وملابس نظيفة. موافقان
نظر الأصغر إلى يد إيما ثم إلى أخيه وبعد لحظة صمت أومأ الأكبر برأسه
ليلة واحدة.
في مركز الشرطة استقبلتهما أخصائية نفسية ومندوبة من حماية الطفل. استحم الصغيران للمرة الأولى منذ زمن ثم تناولا كوبين من الكاكاو الساخن وجلسا في غرفة صغيرة تطل على أشجار البلوط. الجدران رمادية ناعمة والأريكة دافئة كحضن مؤقت. جلست إيما
وقعت أوراق التفويض للفحوص الطبية بينما جلس دانيال بجانبها يهدئ ارتعاشة أصابعها. وبعد ساعة عادت آنا تحمل ظرفا شفافا فيه عينات صغيرة تم جمعها بعناية. قالت بنبرة رسمية لكنها مشبعة بالتعاطف
سنجري فحص ال بشكل مستعجل. النتائج الأولية ستظهر خلال ساعات. أحتاج فقط لبعض الأسئلة.
روت إيما ما حدث قبل ست سنوات الحديقة العامة عربة الآيس كريم دقيقة واحدة انشغلت فيها برسالة عمل... ثم فراغ هائل لم يملأ منذ ذلك اليوم. قالت إن الشرطة بحثت وإن الأمل تآكل ببطء حتى لم يبق منه سوى ظل في صدرها.
وضعت آنا ملفا صغيرا على الطاولة فيه صور قديمة للتوأم لم تر من قبل للأولاد. لم تريهم الصور لكنها قاست ملامحهم بعين خبيرة تسجل كل تفصيلة في دفترها تطابق الندبة فوق الحاجب انحناءة الأذن اليسرى الخط الرفيع على المعصم وحتى طريقة ميل الرأس عند التفكير.
كانت إيما تتابعها بأنفاس متقطعة وفي قلبها حرب لا تنتهي بين الرجاء والخوف. أغمضت عينيها لحظة وقالت همسا
إن كانا هما فالله أعاد لي عمري. وإن لم يكونا فليحفظ الله من هما.
تبادل دانيال وآنا نظرة قصيرة فيها وعد غير منطوق أن هذه المرة لن تضيع الحقيقة كما ضاعت قبل ست سنوات.
في
هل تذكران بيتكما
صمت قصير. ثم قال الأصغر بعد تردد
كان له باب أحمر... وشباك كبير.
أكمل الأكبر بصوت خافت كأنه يرى الصورة في رأسه
وكان فيه ورود... صفراء طويلة.
خلف الزجاج العاكس لم تستطع إيما أن تتمالك نفسها فاندفعت دمعة ساخنة من عينيها. تلك الورود الصفراء هي دوار الشمس الذي زرعته بنفسها أمام البيت وقالت يومها لليام عندما تكبر وتعود من المدرسة ستعرف بيتنا من بعيد لأنه سيضيء مثل منارة.
حل الفجر على المدينة متسللا عبر النوافذ الرمادية لمبنى المركز. غفت إيما دقائق على كتف أخيها دانيال جسدها مرهق وعقلها مستيقظ على كل الاحتمالات. ثم انتبهت فجأة على صوت الباب يفتح. دخلت آنا راميريز تحمل ظرفا أبيض وجهها هادئ لكن عينيها كانتا تهتفان قبل أن تنطق.
وضعت الظرف على الطاولة وقالت بنبرة متحكمة كي لا تفقد الكلمات توازنها
عندما وصلت نتيجة التحليل... لم أصدق عيني.
تعلقت إيما بالكلمات يداها ترتعشان وقلبها يقرع صدرها كما لو كان يستعد للانفجار. أكملت آنا بصوت ارتعش على الرغم منها
إنهما