دفعت زوجها إلى نهر التمساح من أجل أموال التأمين - بعد ساعات، كان ينتظر في المنزل مع الشرطة
رمت جوزها في نهر التماسيح عشان فلوس التأمين... بس بعد ساعات رجع البيت ومعاه الشرطة
الجو كان خانق ورطب في العصر ده، والسحب التقيلة مغطيّة سماء جنوب أفريقيا بلون رمادي كئيب. على الطريق الترابي اللي بيوصل لنهر التماسيح، كانت عربية صغيرة واقفة عند الحافة، الموتور لسه دافي، والدخان الخفيف طالع من الشكمان كأنه أنفاس مضطربة.
لورا بنسون وقفت جنب العربية وهي بتعدل شعرها اللي عرقه لزق في رقبتها، ومدت نظرها للنهر. المية شكلها هادي، لكن تحت السطح كان فيه حياة تانية، حياة مفترسة بتستنى أي حركة غلط.
مارك كان واقف جنبها، لابس قميص مفتوح الزرارين من فوق، عينيه فيها تعب الأيام الأخيرة. سبع سنين من الجواز مش قليلة، بس آخر ست شهور كانت جحيم حقيقي.
من بعد ما الشركة اللي بيشتغل فيها قفلت جزء كبير من الفروع، اتشال اسمه من قائمة الموظفين، ومن يومها الحياة قلبت عليهم. الفواتير زادت، الإيجار اتأخر، والديون بقت تتراكم كأنها جبل بيكتم أنفاسهم.
بس لورا… كانت نوع تاني من الستات.
هي ما اتجوزتش عشان تشقى أو تشيل هم. اتعودت من أول يوم على العطور الغالية، اللبس اللي عليه ماركات، والسفر في الويك إند كأنه عادة. كانت بتعيش الحياة كأنها بطلة في إعلان فاخر. ولما الدنيا بدأت تبوظ، حسّت إنها بتخسر نفسها مش بس فلوسها.
في البداية حاولت تمثل الصبر، لكن جواها كان في صوت بيقولها: "ماينفعش تضيعي كده… فيه طريق أسهل".
في يوم كانت قاعدة بتراجع أوراق قديمة، تدور على عقد الإيجار، فوقع في إيدها ملف تأمين حياة مارك.
قرأت الورقة بتركيز، وقلبها بدأ يدق بسرعة.
"قيمة التأمين: مليون وألف دولار."
الرقم سحرها. لمعت عينيها كأنها شافت باب النجاة مفتوح على وسعه. من اللحظة دي، الخطة اتولدت جوا دماغها، صغيرة في الأول، بس كبرت مع الوقت زي فكرة شيطانية بتتغذى على الطمع.
من يومها، بدأت تمهد الطريق.
كانت بتختار كلامها بعناية، بتراقب مزاجه، وبتزرع جمل صغيرة كأنها صدفة.
وفي يوم من الأيام، وهي قاعدة جنبه عند النهر، قالت له بهدوء وهي بتبص في المية:
– مارك، عمرك فكرت لو حصلك حاجة، أنا هعيش إزاي؟
بص لها باستغراب، وبعدين ضحك وقال:
– يا بنتي إيه الكلام الغريب ده؟
قالت بسرعة وهي عاملة نفسها بتهزر:
– قصدي يعني تحدث التأمين بتاعك، احتياط، أنت عارف الدنيا ملهاش أمان.
ضحك وقال:
– إنتِ بقيتِ زي أمي! كل يوم تتكلم عن الموت والتأمين!
ضحكت هي كمان، لكن جواها كانت بتحسب الأيام والساعات.
وبعد يومين، وقت ما كانت الشمس في نص السما والجو ساكت كأنه بيسمعهم، قالت له:
– تعالى نروح نهر التماسيح، محتاجة أصورك للمدونة بتاعتي. المشاهد هناك هتبقى خرافية!
مارك، رغم التعب، وافق. كان شايفها فرصة يقضوا شوية وقت سوا بعيد عن همّ البيت والفواتير.
ركبوا العربية، الطريق كان طويل والهواء خانق، لكنه كان بيحاول يخفف الجو بكلام خفيف.
– فاكرة أول مرة جينا هنا؟
ضحكت وقالت:
– أيوه، كنت لسه بتحاول تقنعني إنك شجاع.
قال:
– وأنا لسه بحاول!
ضحكت بصوت عالي، بس ضحكتها المرة دي كان فيها نغمة غريبة، نغمة مش بريئة.
لما وصلوا، المية كانت شبه ساكنة، بس كان فيها لمعة خبيثة تحت ضوء الشمس. صوت الطيور فوق الأشجار البعيدة كان بيكسر الصمت بخوف غامض.
قالت له:
– قف هنا، الإضاءة هناك أحسن. عايزة لقطة تبين النهر وراك.
ضحك وقال:
– هو أنا الموديل بتاعك ولا إيه؟
قالت:
– الموديل والملهم وكل حاجة.
قرب منها، وهي رفعت الموبايل كأنها هتصور، بس عينيها كانت على المسافة بينه وبين الحافة.
في لحظة، قلبها اتقلّب، وإيدها اتشدّت.
دفعته بكل قوتها.
صرخة مارك دوّت في المكان، صرخة فيها ذهول أكتر من ألم. المية تناثرت حوالين الحافة، وهديرها غطى على صوتها وهي بتصرخ تمثيلاً:
– مارك! لأااا! امسك في حاجة! حد
لكن محدش كان هناك يسمعها.
مارك وهو بيغرق شافها… شاف عينيها وهي واقفة على الحافة، وشاف ابتسامة خفيفة طلعت قبل ما تختفي بسرعة.
حاول يصرخ، بس المية غطت صوته، والتماسيح بدأت تتحرك نحوه كأنها كانت مستنية اللحظة دي من البداية.
بعد ثواني، ساد الصمت، وما بقى فوق المية غير دوائر صغيرة من الفقاقيع.
وقفت لورا تتنفس بصعوبة، قلبها بيدق، بس مش من الخوف… من النشوة.
همست لنفسها:
– وداعاً يا مارك… أخيراً.
رجعت للعربية بخطوات سريعة، وإيدها بترتعش، بس ملامحها كانت متماسكة. ركبت، شغلت الموتور، وساقت ناحية المدينة وهي بتمسح دموع مزيفة. كانت عارفة كويس إنها لازم تبين إنها زوجة مصدومة، مش قاتلة ناجحة.
وبعد ساعتين، كانت قاعدة في قسم الشرطة، بتعيط بحرقة مصطنعة، وبتحكي للضابط إن جوزها وقع فجأة وهو بيحاول يصور.
قالت وهي بتشهق:
– كان بيحاول ياخد لقطة قريبة من المية، وفجأة رجله زحلقت… حاولت أمسكه، بس مقدرتش!
الضابط بص لها بتعاطف وسجّل أقوالها. بعتوا فريق بحث فوراً، لكن مع حلول الليل ما كانش فيه أي أثر لجثته.
رجعت لورا البيت، والسكوت مالي المكان، كأن الجدران نفسها بتتنفس معاها. شغلت موسيقى هادية، فتحت زجاجة نبيذ، وقعدت في الصالة. لأول مرة من شهور، حسّت بالراحة.
المليون دولار بقت شبه حقيقية في خيالها. شافت نفسها في شقة فخمة، ولبس جديد، وسفر… كل حاجة كانت بتحلم بيها راجعة تاني.
كل ده وهي مش عارفة إن اللي رمتُه للنهر… راجع لها قريب.
الليل كان تقيل، والهواء جوه بيت لورا كأنه واقف. الساعة قربت من نص الليل، والموسيقى الهادية بقت مجرد همس خفيف بيختلط بصوت المطر اللي بدأ ينزل على الشباك.
كانت قاعدة على الكنبة، في إيدها كوباية النبيذ، وعينيها سرحانة في الفراغ.
على الترابيزة قدامها وثيقة التأمين، وموبايلها مفتوح على تطبيق البنك. بتتخيل الرقم اللي هيظهر في حسابها بعد كام أسبوع: “١,٠٠١,٠٠٠ دولار”.
ضحكت بخفة وقالت لنفسها:
– خلاص يا لورا… انتهى الكابوس.
رفعت الكوباية وقالت كأنها بتخاطب روح مارك:
– كنت طيب… بس الطيبة ما بتدفعش فواتير.
لكن قبل ما الكوباية توصل لشفايفها، سمعت صوت.
صوت عربية بتقف قدام البيت.
رمت الكوباية من إيدها، قلبها اتجمد، قامت بسرعة وبصت من الشباك.
أنوار زرقا وبيضا بتقطع الضلمة، وعربية شرطة متوقفة قدام الباب.
في لحظة حسّت إن كل الدم انسحب من وشها.
– لأ… مستحيل!
جرت ناحية الباب وهي بتحاول تهيئ نفسها إنها تبين متماسكة، يمكن جايين يبلغوها إنهم لقوا الجثة.
فتحت الباب بهدوء، ولسه بتحاول ترسم ملامح الحزن على وشها…
لكن اللي شافته خلّى ركبتها تتخبط في بعض.
مارك.
واقف قدامها، هدومه مقطعة، وشه شاحب، شعره مبلول، وعينيه فيها لهب مش طبيعي.
ورا منه ضابطين شرطة، واحد منهم ماسك كشاف بينوّر على الأرض.
قال بصوت بارد، ثابت، كأنه طالع من قلب قبر:
– اتوقعت إنك هتعملي حاجة زي دي يومًا… بس عمري ما صدقت إنك ممكن توصلي لكده.
اتسعت عينيها وهي بترجع خطوة ورا:
– مارك! إنت… إنت حيّ؟ إزاي؟
مد ضابط إيده وقال بصرامة:
– ممكن نخش يا مدام؟
اتنحت مكانها وهي مش قادرة ترد.
دخلوا التلاتة، والمية اللي كانت لسه بتنقط من هدوم مارك عملت خطوط على الأرض الخشبي.
قعد على الكرسي اللي كان دايمًا بيقعد عليه وهو بيشرب قهوته الصبح، لكن المرة دي قعد بصمت.
لورا بدأت تنهار:
– أنا كنت… كنت خايفة عليك! كنت بحاول أنقذك!
ضحك ضحكة قصيرة فيها وجع وقال:
– خايفة عليّ؟ وانتي اللي دفعاني للنهر بإيدك؟
الضابط بص لها وقال:
– مدام لورا، إحنا عندنا شهود من العاملين في المحمية، شافوا حضرتك واقفة على الحافة بعد سقوط زوجك، وما كنتيش بتحاولي تنقذيه زي ما قلتي.
هي شهقت وقالت:
– شهود؟! همّ اتخيلوا! أنا كنت مرعوبة!
لكن صوتها كان بيرتعش، وكل
مارك فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
– عارفة إيه اللي أنقذني؟
رفعت عينيها عليه، مش قادرة تتنفس.
– الدفعة اللي دفعتيني بيها، خلتني أقع قريب من جذع شجرة مغمورة في المية. مسكت فيها بكل قوتي. كنت سامع صوت التماسيح وهي بتتحرك حواليّا، حسيت إن الموت بيعدّي جنبي، بس ربنا كتبلي نجاة.
اتنفس بعمق، وكمل:
– ناس من المحمية شافوني، سحبوني، وودّوني المستشفى. أول حاجة عملتها لما فقت، إني حكيتلهم كل حاجة.
الضابط بص لها وقال:
– عشان كده، يا مدام لورا، عندنا بلاغ رسمي بمحاولة قتل مقترنة بدافع مادي.
مد إيده بالكبّول وقال:
– اتفضلي معانا.
صرخت وهي بتترجع:
– لااااا! أنا ما كنتش أقصد! كنت مضغوطة! كنت… محتاجة فرصة أبدأ من جديد!
بصّتلهم برجاء مجنون، لكن محدش رد.
اتجمدت وهي شايفة الحلم اللي كانت مستنياه بيتبخر قدامها.
مارك وقف وبص لها آخر بصّة، وقال بصوت هادي بس بيقطع القلب:
– كنت فاكر إن اللي بينا حب حقيقي… بس واضح إنك بتحبي الفلوس أكتر من أي حاجة تانية.
سكت لحظة، وأضاف:
– ألف دولار فوق المليون… ده الفرق بين حياة إنسان وجشعك.
بدأت تنهار وهي بتتهز، دموعها نازلة ومكياجها سايح.
الضابطين مسكوها من دراعيها وخرجوها، وصوتها بيخترق صمت الشارع:
– مارك! سامحني! كنت هتلاقينا مبسوطين! كنت هخلي حياتنا زي الأول!
بس الباب اتقفل وراها.
مارك وقف لوحده في الصالة، بص حواليه.
كل حاجة كانت زي ما تركها قبل الحادث، بس الإحساس اختلف.
كان المكان ريحته باردة، ميتة.
على الترابيزة شاف ورقة التأمين، جنبها الكوباية المكسورة وبقايا النبيذ الأحمر اللي سال زي دم.
مد إيده على الورقة، مسكها، وبص فيها شوية قبل ما يقطعها نصين.
في اللحظة دي، حس إن السنين اللي ضاعت بينه وبينها كانت تمثيلية طويلة.
هو كان بيفكر إزاي يصلح بيتهم، وهي كانت بتفكر إزاي تخلص منه.
خرج من البيت وهو حاسس إنه مشي من مقبرة مش من بيت.
تاني يوم الصبح، القصة كانت في كل الصحف والمواقع.
العناوين بتصرخ:
"زوجة حاولت تقتل زوجها عشان فلوس التأمين… لكنه نجا بأعجوبة وبلغ عنها بنفسه!"
الناس اتكلمت، والجيران اتصدموا، والصحفيين اتجمعوا قدام بيتهم كأنها مسرحية واقعية.
مارك ما اتكلمش معاهم، بس راح بنفسه المحكمة وقدّم طلب طلاق.
قال للقاضي بصوت هادي:
– مكنتش متخيل إن الإنسان اللي شاركني حياتي، ممكن يرميّني للنهر عشان رقم في ورقة.
القاضي بص له بإشفاق، وأصدر الأمر بالطلاق.
وفي نفس اليوم، لورا كانت في الزنزانة، قاعدة على السرير الحديدي، وشعرها مبعثر، وعيونها فاضية.
بصت من الشباك الحديدي الصغير، الشمس كانت طالعة، بس نورها مش داخل.
همست لنفسها وهي بتضحك ضحكة مكسورة:
– كنت ممكن أبقى أغنى ست في المدينة… بس دلوقتي بقيت أفقر واحدة حتى من نفسي.
الوقت بقى ماشي ببطء جوه السجن، كل دقيقة بتفكرها باللي ضاع.
في الأول كانت بتلعن مارك، وبعد كده بقت بتلعن نفسها.
كانت عارفة إنها مش هتشوف النهر تاني، بس ريحته لسه عايشة جواها… ريحة الخيانة والطمع والخوف.
مرت الشهور، والعالم نسي قصة لورا بنسون زي ما بينسى أي فضيحة تانية بتظهر يوم وتختفي في اليوم اللي بعده.
لكن جوه السجن… الوقت ما بيمشيش.
كل دقيقة كانت بتعدي على لورا أبطأ من اللي قبلها.
الليل هناك طويل، ساكت، والوشوش حواليها كلها شايلة ذنوب بتتشابه.
كانت بتقعد على سريرها الحديدي كل يوم في نفس الوقت، تبص من الشباك الصغير اللي بيطل على سور عالي، وتفكر في النهر.
في صوت المية، في عيني مارك، وفي اللحظة اللي دفعت فيها بإيدها.
كانت فاكرة إن الوقت ممكن يطفي الندم، بس العكس حصل.
الندم كبر معاها. بقى ينام جنبها ويصحى معاها، يهمس في ودنها وهي لوحدها:
"كل ده كان عشان رقم في ورقة."
الضابطات في السجن كانوا بيقولوا إنها
كل اللي يعرفوها قالوا إنها بتكتب رسائل لمارك، بس عمرها ما بعتت ولا واحدة.
كانت تكتب وتطوي الورقة وتحطها تحت المرتبة.
في أول صفحة من الدفتر كتبت:
“كنت فاكرة إن الفلوس هتشتري لي أمان… بس دلوقتي بقيت أفهم إن الطمع مش بيشتري غير الوحدة.”
أما مارك، فبدأ حياة جديدة، لكنها كانت حياة مش سهلة.
ساب البيت القديم، وسافر مدينة تانية. اشترى شقة صغيرة في منطقة هادية على أطراف كيب تاون.
رجع يشتغل، بس المرة دي في حاجة بسيطة.
كان بيشتغل في مؤسسة خيرية بتنقذ الحيوانات البرية، يمكن عشان جواه حاجة اتكسرت وقت النهر، وحس إن إنقاذ حياة حتى لو كانت لحيوان، ممكن يكون تصليح صغير للي حصل له.
أصحابه شافوا فيه راجل تاني.
ما بقاش بيضحك زي زمان، بس في هدوءه نوع من السلام.
كان كل يوم الصبح يروح على النهر اللي قريب من شغله، يقعد على صخرة، ويفتح دفتر صغير برضه.
يكتب فيه خواطر، ذكريات، بس مفيش كره.
في يوم كتب جملة قال فيها:
"الناس اللي بنحبهم ممكن يأذونا، بس اللي بنكرهم ما يقدروش يعلمونا معنى الغفران."
رغم كل اللي حصل، ما قدرش يكرهها.
كان بيشوفها في خياله، وهي لسه البنت اللي اتعرف عليها في أول مرة شافها في حفلة الجامعة، ضحكتها كانت صافية، وعينيها فيها طموح مش جشع.
بس مع السنين… الطموح اتبدّل بطمع، والحب اتحوّل لحسابات.
وفي يوم من الأيام، بعد حوالي سنتين من الحادثة، وصله ظرف من إدارة السجن.
جواه رسالة بخط معروف جدًا.
خطها.
فتحها بإيدين بتترعش، وقرأها بصوت واطي:
"مارك،
يمكن متصدقنيش، بس أنا كل يوم بعيش الحادثة من الأول.
كل يوم بسمع صوت المية، وصوتك وإنت بتصرخ، وصوت التماسيح وهما بيتحركوا نحيتك.
كنت فاكرة إني هرتاح لما أخلص من الديون ومنك، بس ما كنتش أعرف إن اللي كنت عايزة أتخلص منه هو نفسي.
كل حاجة راحت، حتى أنا.
لو كان في حاجة واحدة أتمنى أرجع بيها، فهي اللحظة اللي كنت فيها واقفة على الحافة قبل ما أمد إيدي.
يمكن كنت هختار أمدها أساعدك، مش أزيك.
سامحني، لو لسه في قلبك مكان للمسامحة.
– لورا."
قعد يقرأ الرسالة كذا مرة، وكل مرة يحس إن الكلمات بتدوب جواه.
الدموع نزلت بهدوء، مش من الغضب، لكن من النهاية اللي كان ممكن تكون غير كده لو الخوف والطمع ما سيطروش عليهم.
اليوم ده راح على النهر، نفس المكان اللي بيقعد فيه كل صباح.
مسك الرسالة، وبص للمية، وقال بصوت واطي:
– سامحتك يا لورا… بس مش علشانك، علشاني. علشان أعرف أكمّل من غير ما أشيل كره في قلبي.
رمى الورقة في المية، وشافها وهي بتطفو على السطح، تمشي مع التيار بهدوء، زي روح بتتحرر بعد ما كانت محبوسة سنين.
وفي السجن، في نفس اللحظة تقريبًا، كانت لورا قاعدة في الفناء.
حست فجأة بهدوء غريب جواها، كأن الحمل اللي كان فوق صدرها خف فجأة.
بصت للسما الرمادية، وابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة من شهور.
واحدة من السجينات سألتها:
– إيه؟ في حاجة حصلت؟
ردت لورا وهي بصّاها لبعيد:
– يمكن… يمكن حد سامحني.
مرت الأيام، والسنين، ولورا خرجت من السجن بعد ما قضت المدة.
ما كانش عندها بيت، ولا فلوس، ولا حد.
لكن كان عندها دفترها القديم اللي فضلت محتفظة بيه.
أول حاجة عملتها إنها راحت لنهر التماسيح، نفس المكان اللي بدأت منه الحكاية.
وقفت هناك، والمية رايقة بشكل غريب.
قالت بصوت واطي:
– أنا مش جاية أطلب حاجة… أنا جاية أرجّع اللي خدتُه منك، يا مارك… السلام.
طلعت ورقة من الدفتر، وكتبت آخر سطر:
"اللي يبيع الحب عشان المال، بيخسر الاثنين."
ورمت الورقة في المية، زي ما مارك رمى رسالتها.
الرياح خفيفة، والورقتين تقابلوا في النص، واتحرّكوا سوا لحد ما اختفوا في عمق النهر، اللي كان شاهد على الجريمة… وشاهد كمان
وفي الأفق، كانت الشمس بتغرب بلون دهبي دافي، كأنها بتمسح آثار الغلط اللي حصل.
الحياة كملت، والقصّة خلصت، بس النهر لسه هناك، ساكت…
يمكن مستني يسمع قصة تانية عن بشر… يفتكروا إنهم أذكى من القدر.
انتهت.