الخياط الذي ستره الصمت
الخياط الذي ستره الصمت
في قرية صغيرة يلفها الهدوء كعباءة من حرير بين الحقول الممتدة وأصوات العصافير التي تملأ الفضاء في الصباح عاش رجل يدعى عبد الرحيم خياط عرف بإتقان صنعته ودقة إبرته وهدوء روحه. كان متجره الصغير في طرف السوق القديم تتدلى على واجهته قطع من القماش الملون ويفوح منه عبير الصابون والمسك الذي كان يعطر به أقمشته بعد الخياطة.
كان عبد الرحيم يعيش وحده في بيت طيني بسيط سقفه من خشب النخيل لا ترف فيه ولا زينة. كان الناس يرونه صباح كل يوم يفتح دكانه مع أول خيوط الشمس يجلس على مقعد خشبي قديم يمسك بالإبرة كمن يمسك بالقلم ليكتب بها فصول الحياة. يحيي الزبائن بابتسامة هادئة لا يكثر من الكلام ولا يتدخل في شؤون غيره.
وذات صباح دخل عليه رجل يدعى سالم بن راشد كان معروفا في القرية بفضوله وكثرة كلامه وقال بنبرة فيها شيء من التوبيخ
يا عبد الرحيم لقد كثرت ثيابك الجميلة التي تخيطها وأسعارك مرتفعة فلا بد أنك تجمع مالا وفيرا فلماذا لا نراك تعين الفقراء
رفع عبد الرحيم رأسه عن الإبرة نظر إلى سالم نظرة
يا سالم ما بال الناس يظنون أن الكرم يقاس بما يرى ليس كل من سكت بخلا وليس كل من تحدث جودا.
ضحك سالم بسخرية وقال
عذر جميل ولكنه لا يشبع الجائعين يا عبد الرحيم!
ثم خرج من الدكان ملوحا بيده وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة تخفي في طياتها رغبة في نشر كلامه في أرجاء القرية.
في تلك الليلة جلس سالم مع بعض الرجال في مقهى القرية وأخذ يروي قصته مع الخياط قائلا
رأيته اليوم لا يريد أن يساعد أحدا! يجمع المال ولا يرحم الفقراء بخيل لا يعرف للخير طريقا.
وانتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم. أخذ الناس يتهامسون
عبد الرحيم بخيل!
نعم لم نره يوما يقدم شيئا للفقراء!
حتى في الأعياد لا يعطي أحدا!
تغير الناس معه صاروا يشترون من خياطين آخرين وقلت زياراتهم له حتى إن بعضهم إذا مر من أمام دكانه تجنب النظر إليه. لم يبد عبد الرحيم أي غضب بل ظل كما هو يفتح دكانه كل صباح يخيط ويبتسم وكأن شيئا لم يكن.
مرت الشهور وبدأت ملامح الكبر والوهن تظهر على وجهه. كان يسعل كثيرا ويضع يده على صدره كلما اشتد عليه المرض.
وذات مساء ممطر أغلق باب دكان عبد الرحيم باكرا ولم يفتح في اليوم التالي ولا في اليوم الذي بعده. وبعد أيام عرف الناس أن الخياط العجوز قد توفي وحيدا في بيته. لم يحضر جنازته سوى مؤذن المسجد ورجلان من جيرانه. دفن بصمت في مقبرة القرية دون أن تذكر له حسنة أو يروى عنه معروف.
مضت الأسابيع وتوقف الجزار عمار عن توزيع اللحم المجاني. لاحظ أهل القرية ذلك وقال أحدهم له
ما بالك يا عمار ألم تعد تتبرع للفقراء كما كنت
تنهد عمار وقال بصوت متهدج
والله يا إخوتي ما كنت أملك مالا لذلك إنما كان عبد الرحيم الخياط الذي اتهمتموه بالبخل يأتيني كل شهر بمبلغ من المال ويقول لي يا عمار لا تذكر اسمي واجعلها صدقة خالصة لمن لا يجد قوت يومه.
ساد الصمت المكان وأطرق الرجال رؤوسهم خجلا وأجهش بعضهم بالبكاء. أدركوا حينها أنهم ظلموا رجلا طيبا كان يعمل بصمت ويعطي بستر ويخفي يده
اجتمع كبار القرية في مجلسهم وقال أحدهم
لقد أسأنا الظن وظلمنا رجلا بريئا.
فقال آخر
ما أشد قسوة الحكم حين يصدر بلا علم ولا بينة.
ثم اقترحوا بناء مسجد صغير في القرية على نفقاتهم الخاصة وسموه مسجد الخياط الصامت تخليدا لذكرى عبد الرحيم الذي علمهم درسا لا ينسى أن العمل الصامت قد يكون أعظم من ألف كلمة وأن من يبتغي وجه الله لا ينتظر شهادة الناس.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية. صار أهلها أكثر حذرا في الحكم على الآخرين وأكثر رحمة في أحاديثهم وصاروا يقولون لأبنائهم
لا تتحدثوا عن الناس بما لا تعلمون فقد يكون في صمتهم صدقة وفي خفائهم عبادة.
أيها القارئ العزيز
إن هذه القصة ليست عن عبد الرحيم وحده بل عن كل إنسان نحكم عليه من ظاهره دون أن نعلم ما يخبئه من خير أو ألم أو تضحية. كم من عبد الرحيم نلقاه في حياتنا ولا نراه! وكم من كلمة ظلم نرميها دون أن نعرف أنها سهم في قلب بريء!
فاجعل حكمك بميزان الإنصاف لا بلسان العجلة وتذكر دائما أن الله وحده يعلم السرائر وأن النية أبلغ