قصة الممرضة والمليادير الجزء الثاني والأخير
إيما وقفت في الممر كأنها متجمدة، قلبها بيدق بسرعة، ودموعها كادت تنزل.
هو اللي كانت فاكرة إنه مش هيصحى أبدًا… فجأة سمع صوتها… وبيقول عليها!
من غير ما تفكر، جريت إيما ناحية أوضته، رجليها بتترعش، وقلبها بيخبط في صدرها كأنه عايز يخرج. كانت شبه فاقدة السيطرة على نفسها، بين الخوف والرجاء، بين الصدمة والأمل اللي كانت مستنية له من شهور.
فتحت باب الأوضة بخفة، وهي مش عارفة لو اللي هتشوفه دلوقتي حلم ولا حقيقة.
ولما دخلت… وقفت مكانها، عينيها اتسعت، وأنفاسها اتقطعت.
ألكسندر كان قاعد على السرير، جسمه لسه ضعيف، صوته مبحوح، بس عيونه… كانت مفتوحة.
نظرة فيها وعي لأول مرة من شهور، فيها دهشة، كأنه بيشوف النور بعد ظلمة طويلة.
وشه باين عليه الإرهاق، بس في نفس الوقت فيه حياة جديدة بتتولد جواه.
بصّ لها بثبات، وقال بصوت متقطع وضعيف، بس واضح كفاية يخليها تنهار بالبكاء:
"إيما…"
نطق اسمها كأنه بيحاول يتأكد إنها مش حلم.
"إنتي… كنتي معايا… كل يوم؟"
الكلمات
اتجمدت في مكانها، مش قادرة تصدق إنه بيتكلم، إنه فاق، إنه فاكرها حتى لو مش بالأحداث، لكنه حاسس بيها.
حاولت ترد، بس صوتها خانها، والدموع كانت أسرع من الكلام.
"أيوه… كنت جنبك… طول الوقت…" همست، وصوتها بيرتعش من الفرح والصدمة مع بعض.
مدّ إيده ببطء، كأنه بيحاول يتأكد إن جسمه لسه يقدر يلمس الواقع.
إيما مدت كفها بخوف واشتياق، ولما لمسها، حسّت بحرارة إيده تغمرها.
لحظة واحدة كانت كفيلة تخلي شهور التعب، والسهر، والوجع… كلها تذوب في إحساس واحد: الراحة.
قلبها كان بيدق بسرعة غير طبيعية، والهواء بقى تقيل حواليهم، كأن الدنيا كلها اختصرت في اللمسة دي.
عيناه كانت مليانة حاجات كتير: امتنان، فرحة، حيرة، خوف، وحب خفيف خفي ما يتقالش بالكلام.
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مبحوح، لكن فيه صدق يخترق القلب:
"أنا… مش فاكر كتير… بس كنت حاسس بيكي… هناك… في كل لحظة."
الكلمة دي كسرت جواها حاجة كانت حابسة نفسها فيها.
ضحكت،
قربت منه خطوة، وحست إنها مش مجرد ممرضة واقفة جنب مريض، لأ، دي بقت جزء من روحه، من حكاية عمره.
هو كان بيحاول يجمع نفسه، عيونه مليانة دهشة وطفولة وفرحة، كأنه بيبدأ حياته من أول وجديد.
"ألكسندر… انت… صحيت… الحمد لله…" قالتها والابتسامة مش قادرة تفارق وشها، حتى وهي بترتعش من التأثر.
فضلوا ساكتين لحظات طويلة، عينيهم بتتكلم بدل لسانهم.
الصمت كان مليان مشاعر، حنين، حب، وخوف من إن اللحظة دي تخلص.
الهواء في الأوضة بقى دافئ، النور خفيف، وكل حاجة حواليهم بقت مشهد مقدس.
إيما كانت شايفة فيه الإنسان اللي رجع من الموت بمعجزة، وهو شايف فيها النور اللي فضل يوصله للحياة وهو غايب عنها.
كان بينهم رابط أقوى من الكلام، رابط اتبنى على الصبر، والإخلاص، والسهر الليالي الطويلة على سريره وهي بتدعي.
افتكرت كل الليالي اللي قعدت فيها تمسك إيده وتكلمه رغم سكوته، كل المرات اللي قالت للممرضين: "أنا حاسة
ضحكوا عليها، وقالوا إن الأمل بيخليها تتوهم، لكن دلوقتي… كلهم غلطوا.
هو فعلاً كان سامعها، كان حاسس بيها، وكان بيرجع للحياة بصوتها.
في اللحظة دي، اتغير كل شيء.
الممرضة اللي كانت بتشوف في شغلها مجرد واجب، بقت جزء من قدر حد تاني.
مشاعرها اللي كانت سر في قلبها، بقت حقيقية قدامها، ملموسة، من غير خوف ولا خجل.
هو مدّ إيده تاني، مسك كفها بقوة أكبر، كأنه بيقول: "أنا محتاجك، زي ما كنت محتاج الحياة."
وهي حطت إيدها التانية فوق إيده، وقالت في نفسها:
"وأنا كمان… كنت مستنية اللحظة دي طول عمري."
من بره، كانت الشمس بتدخل من الشباك، نورها ناعم، بيدّي إحساس ببداية جديدة.
المكان كله بقى فيه طاقة مختلفة، زي ما لو إن المعجزة فعلاً حصلت.
اللحظة دي كانت كفيلة تمحي تعب شهور، وتزرع أمل سنين.
اتقابلوا بعيني بعض، والعالم كله اختفى.
ما بقاش فيه ماضي، ولا خوف، ولا غيبوبة… بس اتنين، قلبين بيرجعوا للحياة سوا.
ومن اللحظة دي، إيما فهمت إن القدر أحياناً