عشقته وهو اعمي ولما تعافي ورآني لم يعرفني
انا حورية أبلغ من العمر ثلاثون عاما، لا أعمل ولم اكمل دراستي، حظي من الجمال قليل للغاية، لم يتقدم أحد لخطبتي حتى تخطيت الثلاثين، وفجأة تقدم شاب قالت لي الوسيطة (الخاطبة) أنه شاب في الثالثة والثلاثين من عمره، لم يسبق له الزواج، يعمل مع والده في شركته الخاصة؛ وأحضرت صورة له، كان يبدو وسيما للغاية، سألت نفسي: إذن لماذا تقدم لمن لا تمتلك شيء؟
وهنا علمت بالمفاجأة، انه فقد بصره في حادث منذ خمسة أعوام، وأجرى العديد من العمليات، ولكن دون فائدة، جلست أندب حظي وأبكي، ولكن قالت لي جدتي رحمها الله: لعل في الضرير حياة يملأها العبير، اجلسي معه أولا ثم قرري.
وبالفعل جلسنا، كم هو رائع، خفيف الظل، يأسر القلب في ثوان معدودة؛ تمت خطبتنا وتزوجنا في شهرين، الحقيقة في البداية كنت خائفة للغاية من عدة أشياء أولها ما رواه لي عن نفسه قبل إصابته في الحادث، كيف كان دائم السهر، يعشق الجميلات، ولا يحب المسؤولية، والسبب الآخر أنه ربما سوف يحملني ما لا أطيق من أعباء خاصة به، ولكنه فاجئني أنه يفعل كل شيء بمفرده، بل ويساعدني أيضا، فقد تغير تماما وأصبحت بصيرته عالية جدا، وأنجبنا أطفالنا الأربعة، كان حنونا للغاية، لم يشعرني مرة واحدة بعجزه، قام بكل واجباته كزوج وأب بلا تخاذل، أحببته بجنون، كنت مذعورة من فكرة عودة البصر له فيراني ويعود لحياته السابقة، فأنا لست جميلة.
أنا حورية، أبلغ من العمر ثلاثين
تجاوزت الثلاثين دون أن يطرق بابي عريس واحد، حتى صرت أرى نظرات الشفقة في عيون الناس من حولي.
كنت أقول لنفسي كل ليلة وأنا أنظر في المرآة: هل هذا قدري؟ أن أعيش وحيدة إلى الأبد؟
وفي يوم لم أتوقعه، اتصلت بي الوسيطة — أو كما نسميها "الخاطبة" — وقالت بحماس:
"يا حورية، في شاب محترم جدًا، عمره ثلاثة وثلاثين سنة، من عيلة معروفة، بيشتغل مع والده في شركتهم الخاصة، وعايز يستقر ويتجوز بنت طيبة زيك."
سألتها وأنا لا أكاد أصدق:
"هو مطلق؟"
فأجابت:
"لأ، عمره ما اتجوز، ودي صورته."
نظرت للصورة…
كان وسيماً بحق، ابتسامته جذابة، وملامحه فيها وقار وثقة.
شعرت للحظة أن الدنيا بتضحك لي بعد سنين طويلة من الخيبة، لكن سرعان ما تسلّل إلى قلبي سؤال مُرّ:
"وليه واحد زيه يتقدّم لواحدة زَيّي؟"
لم أجد الإجابة إلا حين قالت لي الخاطبة بصوت خافت:
"هو فقد بصره من خمس سنين بعد حادث صعب… أجرى كذا عملية، لكن للأسف، كلها فشلت."
جلست في مكاني مصدومة.
دموعي نزلت من غير وعي… كنت حاسة إن نصيبي دايمًا فيه اختبار.
لكن جدتي رحمها الله قالت لي جملة ما أنساهاش طول عمري:
"يا بنتي، يمكن في الضرير حياة تِملاها البصيرة والعِبر… شوفيه الأول، وبعدها قرّري."
وبالفعل قابلته.
كان مختلف عن كل ما توقعت.
صوته دافئ، ضحكته خفيفة على القلب، وأسلوبه فيه رجولة وهدوء يخليك ترتاحي له من أول كلمة.
تحدثنا طويلاً، عن حياته قبل الحادث، عن شغله، وعن خوفه من الوحدة…
خرجت من اللقاء وقلبي بيخبط.
كان فيه شيء في حضوره غريب… نور من غير عيون.
بعد شهرين فقط تمت الخطوبة والزواج.
كنت في البداية خائفة جدًا — مش بس من العمى، لكن من قصصه اللي حكاها عن نفسه قبل الحادث:
كيف كان مغرورًا، محبًّا للسهر والجميلات، لا يتحمل مسؤولية، يعيش يومه فقط.
كنت خايفة يكون نفس الشخص، وإنه يرميني وسط أعباء فوق طاقتي.
لكن اللي حصل فاجئني.
هو تغيّر تمامًا.
كان يعتمد على نفسه في كل شيء، بل ويساعدني في أعمال البيت كأنه يرى بعينيه.
كان لطيفًا، حنونًا، يحفظ وجهي بلمساته كأنه يراني من القلب.
أنجبنا أربعة أطفال، وكانت حياتنا رغم تعبها مليانة حب.
عمري ما حسّيت معاه إنه عاجز… بالعكس، كان أكتر راجل كامل شُفته في حياتي.
كنت أحبّه بجنون، لكن كان في قلبي خوف دفين:
ماذا لو عاد إليه بصره؟ هل سيراها جميلة كما تخيّل؟ أم سينظر إليّ فيكتشف أنني لم أكن كما ظنّ؟
مرت السنين، وكل فترة يجرب عملية جديدة، لكنها تفشل.
ورغم الخذلان، كان دايمًا يضحك ويقول:
"يمكن ربنا شايف إن عيني الحقيقية مش في وجهي، في قلبي."
وعشت معاه عشر سنين، كأنها حلم جميل، إلى أن جاء اليوم المنتظر.
الطبيب قال إن في أمل كبير في العملية الجديدة، وفعلاً تمت بنجاح.
رجعنا البيت وأنا جسمي كله بيرتعش، الخوف بيأكلني أكتر من القلق نفسه.
دخل الغرفة وهو يفتح عينيه ببطء.
كنت واقفة في الركن، شايلة ولادنا الأربعة جنبي، قلبي بيدق بجنون.
بدأ ينظر حوله، يبتسم وهو يبصر الوجوه اللي افتقدها.
قبّل أمه وأبوه، ضم أولاده، وبعدها بدأ يدور بعينيه عليّ.
ولما نظر ناحيتي، اتجمد الزمن.
ابتسم وقال بصوت مبحوح:
"عروسي الجميلة… أخيرًا شُفتك."
انفجرت دموعي.
كنت خايفة يبتعد أو يصدم، لكنه قال:
"تعالي، عايز أشوفك كويس."
اقتربت منه مترددة، وكنت شبه منهارة،
فمد يده ولمس وجهي وقال:
"أجمل بكتير من اللي تخيلته."
ثم أمسك بيدي وقبّلها أمام الجميع.
لكن رغم كلماته، كان في صوت خبيث في رأسي بيهمس:
يمكن بيقول كده عشان ما يجرحكيش… يمكن بكرة يتغير.
انتظرت التغيير… لكنه ما جاش.
بالعكس، زاد حبه لي، واهتمامه، ودلاله.
كان بيعاملني كأنني ملكة حياته.
ورغم وجود الجميلات في شغله وعيلته، عمره ما التفت لحد.
بعد سنين، فقدت والديّ في حادث، وانهارت نفسيًا.
لكنه كان جنبي في كل لحظة، حضني بحنانه وسندني بصبره.
أخذ مكان أبي وأمي في ثانية، وصار لي الأمان كله.
مرت السنوات، وأنا كل يوم أشوف فيه حكمة ربنا.
لو ما كانش فقد بصره، يمكن ما كانش هيشوفني من جوه،
ما كانش هيحب قلبي بالشكل دا.
تذكرت يومها كلام جدتي وهي تبتسم:
"يا بنتي، يمكن مع الضرير حياة يملأها العبير."
والآن بعد كل ما مرّ، أقول بكل
نعم يا جدتي… فقد كان في العمى بصيرة، وفي البصيرة حب لا يُرى بالعين.