في رحله مدرسيه تعرض فتاه
في رحله مدرسيه تعرض فتاه ذلك مستغليين صمتها المطلق دائما في اعتقادهم أنها خرساء لا تتكلم وان فعلت لن يصدقها احد
لم تكن ليان تنتظر الرحلة المدرسية بحماس كما يفعل زملاؤها لكنها قررت أن تشارك هذه المرة.
ربما لأنها كانت بحاجة إلى شيء يبدل رتابة الأيام أو لأنها أرادت أن تشعر ولو ليوم واحد بأنها مثل الآخرين.
كانت مدرسة الفنون قد وعدت الطلاب برحلة إلى الجبال الصغيرة خارج المدينة مكان يسمونه وادي النخيل فيه نهر ضحل وأشجار كثيفة تظلل الطريق.
رحلة بسيطة ساعتان بالحافلة ويوم كامل من الألعاب والرسم الحر.
صباح الرحلة كانت السماء رمادية.
ارتدت ليان قميصها الأبيض الطويل وضفرت شعرها كما كانت تفعل أمها في صغرها.
حملت حقيبة صغيرة فيها دفتر الرسم وأقلامها وجلست قرب النافذة.
لم يكن في نيتها أن تثير انتباه أحد.
لكن بعض الأنظار التقطتها كما تلتقط النار عود الثقاب.
في منتصف الطريق ارتفعت أصوات الطلبة بالغناء والضحك.
كان الجو مرحا لكن ليان لم تشارك.
جلست تراقب الطريق الذي يمتد أمامها كخيط رمادي تتناثر على جانبيه الحقول.
ورغم الضجيج حولها كانت تشعر بوحدة غريبة وحدة لا يعرفها إلا من عاش طويلا على هامش الجموع.
جلست خلفها مجموعة من الطلاب الأكبر سنا يتحدثون بصوت عال ويطلقون تعليقات جارحة على من يمر أمامهم.
في البداية حاولت تجاهلهم.
لكن شيئا في نبراتهم في ضحكاتهم كان يجعل الهواء ثقيلا.
كانوا يظنون أنها لا تسمع.
وكانوا يظنون أيضا أن سكوتها ضعف.
حين توقفت الحافلة للاستراحة نزل الجميع إلى الساحة الصغيرة قرب محطة البنزين.
بينما وقفت هي عند النافذة ترسم ملامح الطريق في دفترها.
اقتربت منها سارة صديقتها الوحيدة وهمست بخوف
سيبيهم يا ليان متخديش كلامهم على بالك.
ابتسمت ليان بهدوء أنا مش بزعل بس بستغرب ليه الناس بتختار تكون مؤذية
لم تجب سارة.
كانت تعرف أن ليان مختلفة أكثر هدوءا من اللازم أكثر رقة مما يحتمل هذا العالم.
في المكان المخصص للتخييم انشغل الجميع بإعداد الغداء واللعب والتقاط الصور.
تسللت ليان إلى طرف الوادي حيث النهر الضحل وجلست ترسم.
كانت تجد في الرسم ملاذها الوحيد طريقة لتقول ما لا تستطيع أن تنطقه.
لكنها لم تلاحظ أن أحدا كان يراقبها من بعيد.
مرت ساعة وربما أكثر حين عادت الحافلة لتجميع الطلاب.
بحثت سارة عنها فلم تجدها فورا.
وفي تلك اللحظة القصيرة حدث ما سيغير كل شيء.
حين عادت ليان كانت خطواتها بطيئة ونظراتها زائغة.
قميصها الأبيض تلطخ بالتراب ودفتر الرسم سقط في الماء.
لم تتكلم.
لم تبك.
لكن وجهها قال كل شيء.
لاحظت سارة ذلك فورا ركضت نحوها أمسكت بيديها المرتجفتين وسألتها بصوت خافت
مين إيه اللي حصل
لكن ليان لم تجب.
كل ما قالته
قالولي محدش هيصدقني.
في اليوم التالي تغيرت المدرسة كلها.
الكلام ينتقل كالنار.
همسات في الممرات نظرات في العيون.
البعض صدق البعض سخر والبعض تظاهر باللامبالاة.
أما ليان فاختارت الصمت.
كانت تمشي بين الجدران كظل خفيف جسد حاضر لكن الروح في مكان آخر.
مدرسة الفنون لاحظت الشرخ في ملامحها.
ذات يوم بعد انتهاء الحصص جلست بجوارها وسألتها بلطف
تحبي تحكيلي مش ضروري تفاصيل بس قوليلي إيه مضايقك.
رفعت ليان رأسها وقالت بهدوء يشبه الهمس
أنا كنت فاكرة الناس هتحميني طلعوا بيتفرجوا.
كانت الجملة كافية لتجعل المعلمة تدرك كل شيء دون أن تسأل أكثر.
في تلك الليلة اتصلت بولي أمرها وقدمت بلاغا رسميا.
لكن الطريق إلى العدالة لم يكن سهلا.
التحقيقات طالت والأقاويل تضخمت.
كل طرف يحاول أن يبرئ نفسه.
قال بعض المعلمين إن الفتاة كانت وحدها
وقال بعض الطلاب إنها تبالغ.
أما الإدارة فحاولت إسكات الأمر كي لا تتأثر سمعة المدرسة.
في وسط كل ذلك بقيت ليان صامتة.
لكن صمتها لم يكن استسلاما بل كان استعدادا.
كانت ترسم كل ليلة في دفاتر جديدة وجوها بلا ملامح وظلالا تشبه الحافلة التي بدأت منها الحكاية.
كانت تستعيد التفاصيل لتفهم لا لتتألم.
بعد شهر جاء اليوم الذي ستقف فيه أمام لجنة التحقيق.
الغرفة باردة والوجوه جامدة.
لكن صوتها
تحدثت بثقة هادئة دون دموع دون خوف.
قالت
أنا مش طالبة شفقة.
أنا طالبة حق.
اللي حصل مش غلطة صمت ولا غلطة ضعف.
غلطة إننا ساكتين على اللي بيحصل قدامنا وساكتين لما الناس تتأذى لأنهم فاكرين إنهم بلا سلطة.
كانت كلماتها تسقط كالحجارة في بركة ساكنة.
حتى المدير الذي كان يظن أن الطفلة ستنهار لم يجد ما يقوله.
في نهاية الجلسة تم تعليق أسماء واستدعاء أخرى.
لكن ليان لم تعد تهتم بالنتائج.
كانت تعرف أن ما استعادته أهم صوتها.
مرت الشهور والمدينة نسيت الحكاية كما تنسى كل شيء.
لكن ليان لم تنس.
تحولت قصتها إلى قوة داخلها لا جرحا.
كتبت عنها في مسابقات المدارس وفازت.
ثم قررت أن تلتحق بكلية علم النفس لتفهم أكثر لماذا يؤذي الناس غيرهم
ولماذا يحتاج العالم إلى من يذكره بالرحمة.
في إحدى المقابلات بعد سنوات سألها أحد الصحفيين
إيه اللي خلاكي تختاري المجال ده
ابتسمت وقالت
كنت محتاجة أفهم إزاي ممكن الإنسان يبقى طيب بعد ما اتكسر.
وأظنني فهمت دلوقتي الطيبة مش ضعف دي شجاعة.
في ذكرى الرحلة الخامسة عادت ليان إلى وادي النخيل.
لم تعد الطفلة نفسها بل امرأة تعرف كيف تواجه.
جلست في المكان نفسه أخرجت دفتر رسم جديدا ورسمت.
لكن هذه المرة لم ترسم الظلال بل الضوء.
رسمت حافلة صغيرة تمضي في طريق مفتوح
وفوقها شمس مشرقة.
كتبت
مش كل رحلة نهايتها خوف أحيانا بتبدأ منها القوة.
ثم أغلقت الدفتر وابتسمت.