اليوم اللي اكتشفت فيه إن الست اللي بيقولوا عليها مجنونة وبتتبعني بعد المدرسة
اليوم اللي اكتشفت فيه إن الست اللي بيقولوا عليها مجنونة وبتتبعني بعد المدرسة… طلعت أمي
الست اللي الكل كان بيهمس عنها وبيضحك عليها… طلعت أمي.
لسنين طويلة كانت بتستنى خروجي من المدرسة
حافية القدمين شعرها مشطوب ووشها عليه غبار السنين
تتمتم باسمي بصوت مبحوح كأنها بتصلي.
كنت أجري منها كل مرة
كنت بخاف.
لكن اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة…
عرفت إنها ما كانتش مجنونة.
كانت مكسورة. وكانت أمي.
القصة دي هتلمس قلبك
عن حبّ ما بيموتش وجُرح ما بيتنسيش
وغفران بيولد من بين الرماد.
اقرأ للآخر… لأنها هتخليك تبكي وبعدين تبتسم تاني.
الجزء الأول.....
كل يوم بعد المدرسة كنت أرجع البيت وأنا دماغي مشغولة بحاجة واحدة — الست دي.
الست الغريبة اللي دايمًا تلاحقني من عند بوابة المدرسة
تغنّي بلحن غريب نفس الأغنية كل يوم
تسير ورايا على بعد خطوات
ولا مرة لمستني ولا مرة كلّمتني مباشرة
بس كانت هناك — دايمًا هناك.
الناس كانت تسميها المجنونة بتاعة شارع مارولا.
كانت ماشية دايمًا حافية شعرها متشابك
ولابسة فستان بني قديم مليان رقع وخيوط مفكوكة.
صاحبتي نومسا كانت تصرخ كل مرة تشوفها:
ثاندي! استعجلي! هي وراينا تاني!
كنا نضحك بخوف
بس جوايا كنت مرعوبة فعلاً.
ولما كنت أبص ورايا
كنت ألاقيها واقفة ساكتة
وعينيها… فيها حاجة غريبة.
مش جنون… لأ. حاجة أعمق — وجع حنين حاجة موجعة ما بتتوصفش.
كرهتها… أو يمكن حاولت أقنع نفسي بكده.
لأني كنت بسأل نفسي كل يوم: ليه أنا؟
ليه بتتبعني أنا من بين كل البنات؟
وليه كل مرة أغنيتها الحزينة دي تخليني قلبي يوجعني وأنا مش فاهمة ليه؟
رجعت البيت يومها وسألت خالتي:
هي الست دي مين؟ وليه بتفضل تبصلي كده؟
قالت وهي مكشرة: سيبيها دي مجنونة عايشة في الشوارع من زمان. متقربيش منها أبداً.
لكنها كانت دايمًا هناك حتى في الليل.
كنت أشوفها من شباك أوضتي
قاعدة على الرصيف قصاد البيت
بتغنّي نفس الأغنية بهدوء كأنها بتهدهد الليل.
كنت حاسة إن في سر ورا وجودها
سرّ مستني يتكشف.
وفي يوم مطر وأنا راجعة من المدرسة
زحلقت ووقعت في الطين
وفجأة… لقيتها بتجري ناحيتي بسرعة
عينها مليانة خوف عليّا.
ولأول مرة سمعتها بتتكلم.
صوتها كان مبحوح بيرتعش وهي بتقول:
يا حبيبتي… يا بنتي… اتأذيتي؟
اتجمدت.
الكلمة دي يا بنتي دخلت في قلبي زي سهم.
الصوت ده… الإحساس ده…
مش غريب. مألوف بطريقة مؤلمة.
نظرت في عينيها وشفت فيهما حاجة محدش شافها قبل كده.
مش جنون… بل حُب.
قالت وهي بتعيّط:
خدوكي مني… قالوا إني مش صالحة أربيك… قالوا إنك متّي.
بس أنا عمري ما صدقتهم. كنت بدوّر عليكي كل يوم.
قلبي وقع.
رجعت خطوة لورا وأنا مش قادرة أتنفس.
إنتِ بتقولي إيه؟ أنا مش بنتك!
بس صوت جوايا كان بيهمس لي بهدوء مرعب:
طب وليه عينيكي شبه عينيها؟ وليه لحنها نفس لحن الحلم اللي بتسمعيه من زمان؟
جريت للبيت والدموع مغرقاني.
صرخت لخالتي:
هي قالت إنها أمي! دي بتقول إنهم خدوني منها! ده حقيقي؟!
وشها شاحب… سكتت.
وأنا حسّيت إن السكوت كان الجواب اللي مش قادرة أسمعه.
رنّ الجرس.
ولما فتحت الباب…
كانت هي.
واقفة على العتبة مبلولة من المطر
بس وشها ثابت وصوتها هادي:
قلتلك… أنا أمّك.
في اللحظة دي الدنيا كلها سكتت.
كل الأصوات اختفت.
فضلنا نبص لبعض
وكل اللي سمعته كان دقات قلبي وهي بتقول:
صدقّيها.
تجمدت قدماها عند العتبة وارتجفت شفتاها وهي تراقب قطرات المطر تسيل على وجنتي المرأة.
مرت ثانية طويلة كأنها عام كامل ثم سمعت أنفاسها تتسارع في صدرها بينما تهمس في داخلها صدقيها.
تراجعت خطوة إلى الداخل فتقدمت المرأة خطوة صغيرة حافية ومبللة لكنها ثابتة كمن انتظر هذه اللحظة كل العمر. ارتفع صوت خالتها من عمق الصالة متكسرا بين الذنب والخوف ثاندي ادخلي جوه. لم تتحرك. ظلت تمسك بمقبض الباب وتحدق في وجه المرأة التي قالت إنها أمها. كانت هناك تلك اللمعة الغريبة في العينين ليست جنونا ولا ضياعا بل معرفة قديمة مثل ضوء بعيد تعرفه الروح قبل العقل.
قالت ثاندي بصوت خافت لا يشبه صوتها عندك إثبات أي حاجة تثبت إنك أمي أدخلت المرأة يدها في جيب فستانها البالي وأخرجت صورة صغيرة محاطة بحواف مهترئة. كانت صورة رضيع ملفوف في بطانية صفراء وعلى ظهر الصورة اسم كامل مكتوب بخط يد مرتجف ثانديويه نكوما نجمتي. انحبست أنفاسها وهي تقلب الصورة بين أصابعها. في الزاوية اليسرى من الصورة شامة صغيرة تحت الأذن نفس الشامة التي اعتادت إخفاءها بشعرها.
جاءت الخالة مسرعة وانتزعت الصورة بعصبية لكنها حين قرأت الاسم خفتت في عينيها شرارة المقاومة. جلست على أقرب كرسي كأن ركبتيها خانتاها ثم قالت وهي تحدق في الأرض أنا ما قلتلكش كل الحقيقة يوم مات أبوك أمك انهارت. ما كانش عندنا غير بيت صغير وديون كتير. الجهات الاجتماعية قالت لازم الطفل يروح رعاية مؤقتة وأنا خفت يضيع منك كل شيء. قلتلهم إنك بنتي علشان أقدر آخدك. وعدوني إنهم يبلغوا أمك أول ما تستقر. بس هي اختفت من وقتها وأنا انكسرت الجملة في حلقها. رفعت رأسها ببطء نحو المرأة الواقفة على الباب دورت علينا سنين
هزت المرأة رأسها والدموع تمتزج بالمطر كل يوم. عند بوابة المدرسة تحت شجرة الجاكراندا جنب الجسر كنت بحفظ خطوات بنتي من بعيد. لما كانوا يطردوني من الشارع كنت أرجع تاني. كنت بشوفها تكبر من غير ما ألمس إيديها.
انفجر شيء صلب داخل صدر ثاندي شيء كانت تبنيه منذ أعوام لتنجو طبقة سميكة من الإنكار. تخلخلت الطبقة وبدأ الدفء المؤلم يتسرب. التفتت للخالة ليه ما قلتيليش ليه سيبتيني أصدق إنها مجنونة وتطاردني ردت الخالة بصوت مبحوح كنت خايفة عليك وخايفة منك. كل ما تكبري كان اللوم بيكبر معاك. ثم وضعت الصورة في يد ثاندي برفق كما لو كانت تعتذر.
وقفت ثاندي جانبا وفتحت الباب على اتساعه ادخلي. ترددت الأم لحظة كأنها تستأذن هواء البيت قبل الأرض ثم دخلت بخطوات بطيئة. تركت ثاندي الباب ليتكفل المطر بما تبقى من آثار الشارع على العتبة. في الصالة امتزجت روائح الشاي القديم والمطر والملح. جلست الأم على الحافة البعيدة من المقعد مستقيمة الظهر على الرغم من التعب ووضعت الدمية القماشية الصغيرة دب قديم فقد إحدى عينيه
علميني الأغنية. قالتها ثاندي فجأة. ارتعشت شفة الأم ثم همست بلحن بسيط نفس اللحن الذي ظل يطارد لياليها نامي يا نجمتي الليل قصير وبكره الفجر يبان على وشك نور. لم تحتج ثاندي إلى أكثر من شطرين سقطت دموعها بسرعة لم تعرفها من قبل ووضعت كفها فوق صدرها لتكبح شهقة خرجت رغما عنها. قالت الأم وهي تمد يدها مترددة ممكن لم تجبها بالكلام. جلست قربها بما يكفي ليتلامس كتفان ثم
سمحت ليد خشنة متعبة أن تلمس خدها مرة أخيرة كأنها تتم شيئا ناقصا منذ سنين.
في اليوم التالي ذهبت ثاندي مع خالتها والأم إلى مركز مجتمعي قريب. تحدثوا مع الأخصائية الاجتماعية التي أعادت فتح ملف قديم يحمل اسما مطموسا وعنوانا تغير كثيرا. طلبت شهادات وهوية وصور وسئلت المرأة عن سنوات الضياع عن عمل مؤقت تحت الجسر عن الليالي التي نامت فيها قرب مركز الشرطة لتشعر بالأمان. لم تفهم ثاندي كل الإجراءات لكنها فهمت شيئا واحدا لا بد أن تعطي لأمها اسمها مرة أخرى بشكل رسمي هذه المرة لا كهمس على الرصيف.
مرت أسابيع من اللقاءات المنظمة في المكتبة العامة أو في حديقة صغيرة بين شارعين. كانت ثاندي تحضر دفاترها وتذاكر وأمها تجلس مقابلها تراقب حركة قلم الرصاص وهي تكتب ثم تسألها لسه بتحلمي تبقي صحفية فتضحك ثاندي بدهشة إزاي عرفتي فتقول من طريقتك وإنت بتحكي. اللي بيحلم يكتب كلامه بيجري قدامه. كانت تلك الجمل الصغيرة تشبه ضمادات دقيقة تمسك الشقوق التي خلفتها السنوات دون أن تؤلمها.
بقيت لحظات الارتباك أيضا. في بعض الأيام كانت الأم
تنسى التاريخ أو تتلعثم حين تسأل عن عنوان قديم فتضيق عينا الأخصائية الاجتماعية شكا. كانت ثاندي وقتها تضع يدها فوق يد أمها وتقول مش مهم العنوان. أنا العنوان. فتتسع عينا الأم بابتسامة مرتبكة وتتمتم الحمد لله.
بدأت ثاندي تدخل أمها ببطء في تفاصيل يومها صورة من عرض المدرسة مقطع من مقالة كتبتها عن الشجاعة رائحة شوربة دافئة في وعاء صغير تحمله معها وقميص نظيف اشترته من مصروف كانت تدخره لشيء آخر. وفي المقابل فتحت الأم صندوقا خشبيا صغيرا كانت تخبئ فيه فتافيت من الماضي قرطا مكسورا احتفظت به لأنها كانت ترتديه يوم ولدت ثاندي ورقة عليها تاريخ الميلاد مدونا بخط قابلة قديمة وخيطا أصفر قصيرا كانت تربطه حول معصم الرضيعة للحفظ.
في إحدى الأمسيات طلبت ثاندي أن يمشوا إلى الجسر القديم. الطريق الذي كان يعبره الخوف صار الآن ممرا بطيئا للنور. وقفت الأم عند الدرابزين الصدئ ونظرت إلى الماء المعتم وقالت هنا كنت بدعي. ماكنتش أعرف أنا بدعي لمين ساعتها كنت بقول يا رب رجع لي اسمي. أنا اسمي أم. أمسكت ثاندي بذراعها وأمالت رأسها على كتفها ورجع.
لم يكن كل شيء سهلا. بعض الجيران ظلوا يتهامسون حين يرون الأم تقف أمام البيت تحمل كيسا من الخبز والبرتقال. بعض زميلات المدرسة سألوا بأسئلة فضولية موجعة. عادت ثاندي في إحدى الليالي تبكي بعد تعليقات سخيفة على منصات التواصل. جلست الأم أمامها في الحديقة الخلفية وقالت الناس ساعات بتخاف من اللي ما يعرفهوش وإحنا
بعد شهرين حصلت الأم على بطاقة هوية مؤقتة وعنوان إقامة في مأوى نظيف يدعمه المركز. بعد ثلاثة أشهر التحقت ببرنامج علاج نفسي جماعي ثم تدريب قصير في مطبخ ملجأ لتعلم إعداد وجبات بسيطة للمرضى والمشردين. صارت تعود ليلا بعطر خفيف من الخبز الساخن على كفيها فتأخذ ثاندي يدها إلى وجهها كأنها تقول أنا شبعت.
في صباح يوم شتوي فتحت ثاندي خزانتها وأخرجت البطانية الصفراء القديمة التي كانت ترفض رميها منذ طفولتها رغم استهزاء البعض. غسلتها بعناية ثم حملتها إلى الأم في حقيبة قماش. ظلت الأم تمسح عليها كمن يستعيد ذرات ضوء قديم ثم قالت وهي تختنق بالعبرات أخيرا
رجع الدفء مكانه.
جاء اليوم الذي وقفت فيه ثاندي وخالتها بجوارها والأم أمام موظفة مدنية تراجع الأوراق. رفعت الموظفة رأسها مبتسمة العلاقة العائلية موثقة. عندكم الحق تزوروا وترافقوا رسميا. شكرتها الخالة همست لها بكلمة سامحيني وهي لأول مرة دون حواجز فردت الأم بحضن طويل أنهى نصف معركة في القلب. أما ثاندي فكانت تنظر إلى المشهد وتفهم أن العائلة ليست دفترا مختوما فقط بل قرارا يعاد كل يوم.
في المساء جلست الثلاثة تحت شجرة الجاكراندا نفسها. علمت الأم الخالة اللحن. ضحكتا حين خانت الخالة النغمة فأعادت الأم اللازمات ببطء ثم دخلت ثاندي بصوتها في المنتصف. كان المشهد بسيطا حد الإعجاز ثلاث نساء يداوين ما انكسر بالغناء.
كتبت ثاندي بعد ذلك بأسبوع مقالا في صحيفة المدرسة عن المرأة التي كانت تبدو مجنونة. لم تذكر أسماء لم تشر إلى عناوين لكنها كتبت عن كيف يمكن للحب أن يضل طريقه ثم يعود وكيف أن الخوف قد يلبس قناع السخرية وكيف أن الحقيقة تحتاج شجاعة مضاعفة حين تجيء في هيئة أم متعبة عند الباب. تسلم المعلمة المقال وهي تبتسم ثم أعادته إليها بورقة صغيرة أنت لا تكتبين قصة أنت تعيدين تعريف كلمة بيت.
في ليلة هادئة قبل الامتحانات بأيام نامت ثاندي على كنبة الصالة وغطتها أمها بالبطانية الصفراء. توقفت لحظة عند طرف البطانية ومررت أصابعها على الشريط البالي ثم همست نامي يا نجمتي الليل قصير. لم تفتح ثاندي عينيها لكنها ابتسمت. لم تعد الأغنية حزنا يطاردها بل جسرا تمشي عليه كلما خافت أن تتوه.
وعندما هطل المطر من جديد لم يعد صوت الطرق على الزجاج مخيفا. فتحت ثاندي الباب وخرجت مع أمها إلى العتبة القديمة. تركتا المطر يغسل وجهيهما وضحكتا مثل طفلتين. قالت الأم المية دي بتشيل الغبار. ردت ثاندي وبيتفضل الأثر الأثر الحلو. شدت الأم على يدها وقالت الأثر اللي بيعرفنا الطريق لو ضعنا تاني.
لم تعد المرأة المجنونة بتاعة شارع مارولا. صار لها اسم ينادى به وموعد أسبوعي مع ابنتها وصوت يصدق حين يغني. ولم تعد ثاندي الطفلة التي تهرب. صارت الشابة
التي تتقدم خطوة حين يخاف الآخرون تمد يديها وتقول أنا هنا.
وفي آخر صفحة من دفترها كتبت بخط واضح لا يرتجف لم تكن مجنونة.