كنت قاعدة لوحدي في أوضتي النور مطفي، والدنيا كلها سكون بقلم سهى طارق
كنت قاعدة لوحدي في أوضتي، النور مطفي، والدنيا كلها سكون… بس جوايا كان في عاصفة. قلبي بيدق بسرعة، صدري مكتوم، نفسي مش طايل، ودموعي بتنزل من غير ما أقدر أوقفها. كنت حاسة إني بنهار، بس من غير صوت… زي شجرة بتقع في الغابة ومحدش سامعها.
الساعة كانت داخلة على 10 بعد نص الليل، والموبايل بيرن. قلبي اتنفض، إيدي اترعشت وأنا بمسكه. لقيت اسمه… محمد.
فتحت الرسالة، وقلبي بيخبط في صدري كأنه بيصرخ:
أقسم بالله لو مرجعتيش البيت بالأدب، هكمّل عليكِ أكتر من كده يا تربية الملجأ.
الكلمات دي نزلت عليا زي السكينة، بتقطع فيا حتة حتة. حسيت إني رجعت طفلة صغيرة، واقفة في ركن ضلمة، خايفة، ومفيش حضن أستخبى فيه.
أنا فعلاً ماعنديش حد… لا أم، لا أب، لا أخ يحميني. واللي قدامي ده، المفروض جوزي، بيهددني كأني عدوته.
وفجأة، دماغي رجعتني سنين لورا…
فاكرة أول مرة شوفته، كان بيضحكلي، بيقول كلام حلو،
كنت وقتها خارجة من دار رعاية، تايهة، بدور على حضن، على أمان، على حد يقوللي أنا معاكي.
صدقته، صدقت إن الحب ممكن يجي من أول نظرة، وإن اللي بيطبطب في الأول مش ممكن يضرب في الآخر.
اتجوزته وأنا فاكرة إني لقيت ضهري… بس طلع الضهر اللي اتسندت عليه هو اللي كسرني.
مسحت دموعي، ومسكت الموبايل بإيد بتترعش، وكتبتله وأنا بحاول أكون قوية، حتى لو من جوايا مكسورة:
أنا مش هعيش مع واحد زيك تاني، أنت مش بني آدم، أنت حيوان. وتربية الملجأ أنضف منك مليون مرة. روح للستات والسهر والقرف اللي بتعمله، وربنا هينتقملي منك.
ماعداش دقايق، ورد عليّ بصوت مسموم، مليان غل:
إنتِ اتعدلي كده؟! هو أصلاً ليكي مين يسأل عنك؟ لو ما رجعتيش، هوريكي العذاب الحقيقي.
الكلمات دي كانت زي طلقات، بتخترق قلبي. بس أنا خلاص… اتكسرت كفاية.
رديت عليه وأنا صوتي بيترعش، بس عيني فيها نار:
مش هرجع،
قفلت الموبايل، قمت من على السرير كأني خارجة من قبر. لبست هدومي بسرعة، بس كل حركة كانت تقيلة… كأن جسمي بيقاومني.
نزلت الشارع، الهوا كان بارد، بس قلبي مولّع. وصلت للمحامي، قعدت قدامه، وقلتله بصوت ثابت:
أنا عاوزة أخلع.
حكيتله كل حاجة… الضرب، الإهانة، الخيانة، الليالي اللي كنت بنام فيها على الأرض وهو سكران، بيشخر، وأنا بعيط في الضلمة.
قلتله:
أنا ربنا كرمني بشغل، وهقدر أصرف على نفسي. وأكتر قرار فخورة بيه إني ماخلّفتش. ماكنتش عاوزة طفل يشوف اللي أنا شوفته.
المحامي سألني في تفاصيل كتير، وأنا كنت بحكي كأني بنضف قلبي من وسخ سنين.
وبعد أسبوع، المحكمة حكمتلي بالخلع.
كنت حرة… لأول مرة من سنين، حسيت إن ضهري اتفرد.
محمد كان بيغلي، حاول يوصللي، يبعتلي، يهددني… بس أنا كنت قافلة كل باب، كل شباك، كل ذكرى.
وتاني يوم الصبح، وأنا بشرب
محمد مات.
كان سكران، في ديسكو، وسط لمّة قذرة، وقع فجأة، قلبه وقف.
مات على معصية، مات وهو ظالم، مات من غير ما يطلب السماح.
ساعتها، ما فرحتش… بس قلبي قال:
ربنا مش بينسى.
بس الأهم… إني أنا ما نسيتش نفسي.
اللي حصل بيحصل لفئات كتير، بس المحطة ماينفعش تقف هنا.
لازم نقوم، نقوي، ونبني نفسنا من أول وجديد، بحياة تليق بينا.
أنا مش تربية ملجأ…
أنا تربية وجع، وصبر، وإصرار.
بنت عافرت، وانقذت نفسها من نار كانت بتأكل كل جزء فيها، بس طلعت أقوى.
فنهرب من اللي ميعرفش ربنا، من اللي حياته كلها قرف وفسوق.
نهرب أول ما نحس إن اللي قدامنا مش شبهنا، مش من طينتنا، مش من نورنا.
نختار نفسنا، حتى لو الدنيا كلها ضدنا.
لأننا نستاهل نعيش… مش ننجو بس.
نعيش بكرامة، بحرية، وبقلب سليم.
نعيش زي ما ربنا خلقنا… مكرّمين، مش مكسورين.
وحشتوني أوي بجد
وحقيقي عدم ظهوركم
#تمتت
#سهىٰ_طارق_استيرا