عشر سنوات كاملة وأنا أربي طفلاً بلا أب… كانت القرية كلها تسخر مني
عشر سنوات كاملة وأنا أربي طفلاً بلا أب… كانت القرية كلها تسخر مني، إلى أن توقّفت سيارة فاخرة أمام بيتي يومًا ما… وجعل والد الطفل الجميع يبكون.
لـعشر سنوات ثقيلة، حملت إلينا وارد عبء الأحكام على كتفيها.
كل صباح، وهي تمسك بيد طفلها الصغير جيمي في طريقهما إلى المدرسة، كانت تسمع الهمسات تنحدر خلفها على الطريق الترابي الضيق:
"امرأة مسكينة… تربي طفلاً وحدها."
"أكيد لا تعرف حتى مَن هو الأب."
لم تكن تردّ.
كانت تبتسم ابتسامة صغيرة متماسكة، وتشدّ على يد جيمي كأنها تشدّ على قلبها.
كانت حياتها بسيطة؛
صباحها في تنظيف الطاولات في المقهى الصغير،
ومساءاتها تقضيها وهي تفرك الأرضيات بيديها حتى يتشقق الجلد.
ومع ذلك… لم تشكُ يومًا.
لأنها حين تنظر في عيني ابنها، تتذكّر السبب الذي جعلها تصمد دائمًا.
في أحد الأيام، سألها جيمي بصوت صغير يلتف حول قلبها:
"أمي… لماذا ليس لديّ أب مثل باقي الأطفال؟"
ابتسمت وهي تخفي الألم العميق في صدرها:
"والدك اضطر للسفر بعيدًا يا صغيري… لكنه كان يحبك حتى قبل أن تُولد."
لكنها لم تخبره بالحقيقة…
الحقيقة التي دفنتها منذ عشر سنوات.
كان والده رجلاً غريبًا، التقت به في ليلة ماطرة.
تعطّلت سيارتها في منتصف الطريق، فتوقّف ليُساعدها.
جلسا لساعات في مطعم صغير على الطريق، يتشاركان فنجان قهوة وحديثًا دافئًا لم تشعر به منذ زمن.
وعند الفجر… رحل كما جاء.
بلا اسمٍ كامل، بلا
ترك لها ذكرى قصيرة… وطفلًا ينمو في أحشائها.
وفي قرية صغيرة مترابطة، أن تكون امرأةً وحيدةً مع طفل… يعني أن تصبح قصة الجميع، ونكتة الجميع، وحديث الجارات كل مساء.
تحمّلت إلينا الضحك، والشفقة، والعيون التي تلاحقها.
إلى أن جاء ذلك اليوم…
اليوم الذي قلب كل شيء.
كانت في الخارج، تغسل الملابس في حوض معدني، عندما توقفت أمام بوابتها سيارة سوداء لامعة.
صوت المحرك جعل نصف أهل القرية يخرجون إلى النوافذ.
وقفت إلينا، تمسح يديها المبللتين بمريولها القديم.
وخرج من السيارة رجل طويل، ببدلة رمادية، ووجهٍ تغيّر مع الزمن…
لكن عينيه؟
عرفتهما فورًا.
"إلينا؟" قالها بصوت متردد، مشحون بدهشة عميقة.
توقّف قلبها.
لقد عاد… الرجل الذي لم تتوقع أن تراه ثانيةً.
بدأ همس القرية ينتشر.
وجيمي خرج من خلف الباب، يحدّق بالرجل الغريب.
حين التفت الرجل إلى الطفل… تجمّد.
الصاعقة أصابته قبل أن ينطق.
"هل… هل هذا ابني؟"
نطق بها وصوته يرتجف ارتجافًا لم تستطع إلينا تجاهله.
لم تستطع الرد.
عينها امتلأت بالدموع، وحلقها ضاق بكل الكلمات التي دفنتها عشر سنوات.
وفجأة…
سكتت الهمسات. خمد الضحك. وانطفأت الأحكام القاسية.
صمتت القرية بأكملها، وكأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة. حتى أوراق الشجر التي كانت تتمايل منذ لحظات تجمّدت كأنها تخشى أن تُصدر صوتًا يفسد تلك اللحظة المشدودة.
كان صمتًا أثقل من كل الكلام، صمتًا
وقفت إيلينا ثابتة، رغم أن قلبها لم يكن ثابتًا على الإطلاق.
شعرت أنّ ركبتيها توشك أن تسقطا، وأن العالم بدأ يدور حولها. لكن يد جيمي الصغيرة، التي أمسكت بطرف ثوبها، أعادتها إلى الأرض.
كانت تلك اليد الصغيرة الشيء الوحيد الذي يذكّرها بأنها ما زالت هنا… وأن عليها أن تكون قوية.
تقدّم أدريان خطوة، ثم توقّف.
كان وكأنه يخشى أن تبتعد إن اقترب أكثر.
كانت المسافة قصيرة بينهما، لكنها كانت تحمل داخِلها عشر سنوات من الضياع والوجع والأمل الغارق.
رفع رأسه، ونظر مباشرة في عينيها وقال بصوت مبحوح:
«إيلينا… لم أصدق يومًا أنكِ ستقفين أمامي من جديد. كنت أخشى أنّني إن وجدتك… سأفقدك ثانية.»
كانت الكلمات بسيطة، ولكنها جاءت من عمق رجل حمل في داخله ندمًا ثقيلاً.
رأت فيه الرجل ذاته الذي وقف إلى جانبها تحت المطر، لكن بعينين أكبر، أكثر تعبًا… وأكثر صدقًا.
حاولت أن تتكلّم، لكن صوتها خانها.
لم يخرج منها أي حرف.
تدفّقت الذكريات داخلها كالسيل:
رحيله فجرًا، بحثها عنه بلا جدوى، خوفها من كلام الناس، ولادتها طفلها وحيدة، لياليها الطويلة، صباحات العمل الشاق، دموع التعب… وكل لحظة حملت فيها جيمي وحدها لأن العالم لم يترك لها خيارًا آخر.
نظر أدريان إلى جيمي، وبدا وكأنه يجاهد ليحافظ
كانت الصدمة واضحة على وجهه.
لم يحتج أن يسأل… فملامح الولد كانت أبلغ من كل سؤال.
قال بصوت مختنق:
«يا… بني.»
كانت الكلمة تخرج منه كأنها ظلت محتبسة في صدره عشر سنوات كاملة.
لم يفهم جيمي كل شيء، لكنّه شعر بأن أمرًا مهمًا يحدث. تقدّم خطوة صغيرة وقال بحذر:
«أنت تعرف أمي؟»
لم يستطع أدريان منع دموعه.
انحنى حتى صار في مستوى الطفل وقال:
«لم أعرف أمّك فقط… أنا عرفتها بقلبٍ كامل. ولو سمحت… أودّ أن أعرفك أنت أيضًا.»
نظر إليه جيمي بفضول، ثم سأل بصوته الصغير:
«هل… أنت أبي؟»
انخفض صوت العالم، وكأن الكون بأكمله توقف عند تلك الجملة.
أجاب أدريان فورًا:
«نعم… وأنا آسف يا بني. آسف على كل يوم كنت فيه غائبًا.»
كانت تلك اللحظة وحدها كافية لجعل أكثر أهل القرية قسوةً يخفضون رؤوسهم.
الرجال الذين ضحكوا خلف ظهر إيلينا، والنساء اللواتي اكتفين بإطلاق الشائعات… جميعهم شعروا بأن الأرض تضيق بهم.
وبينما كانت العيون معلّقة بالثلاثة، قالت إحدى الجارات—وهي أول من اتّهم إيلينا قديمًا—بصوت مكسور:
«استغفر الله… لقد ظلمناها.»
لكن إيلينا لم تسمع شيئًا.
كانت تنظر إلى أدريان… إلى الرجل الذي قلب حياتها مرتين:
مرة حين ظهر معها في ذلك الطريق المظلم تحت المطر،
ومرة حين عاد الآن، بعد أن تغيّر كل شيء.
قال أدريان وهو يقف:
«دعيني أشرح… أرجوك.»
أومأت، رغم أن قلبها لم يعد يصدّق بسهولة.
فالحياة علّمتها أنّ الوعود تُكسَر،
بدأ يحكي…
حكى عن السيارة التي تعطّلت يوم العاصفة…