قطعة الخبز التي غيرت كل شيء لحظة واحدة هزت قلب صاحبة المطعم المتكبرة
تجمدت بريندا في مكانها لحظات بدت أطول مما يسمح به الزمن والهواء البارد يلسع وجهها كخيط حاد يمتد من الليل نفسه ومع ذلك لم تشعر بشيء كانت عيناها معلقتين على ذلك الطفل الصغير الجالس فوق الأرض الإسمنتية كأن المكان لم يخلق لغير قسوته كان يحتضن جروا هزيلا يرتعش من شدة البرد ويمنحه دون تردد الجزء الأكبر من لقمة بالكاد تكفي إنسانا واحدا
كان الطفل جائعا جائعا إلى حد يسكن فيه الجوع كل خلية كأن جسده اعتاد الألم حتى صار جزءا من طبيعته
أما هي فكان يسكنها نوع آخر من الجوع الجوع إلى الاعتراف إلى شيء يشبه الإنسانية التي فقدتها شيئا فشيئا خلف جدران المطعم الفخم الذي تظنه إنجاز عمرها كانت القسوة في داخلها تثير فخرا كاذبا اعتادت عليها حتى خيل إليها يوما أنها معيار النجاح الوحيد وأن اللين ضعف وأن الرحمة ترف لا يليق بمن يسعى نحو القمة
رفعت يدها إلى صدرها فجأة تتحسس نبضا مرتجفا كأنها تريد أن تتأكد هل ما زال هناك قلب أصلا أم أنه شيء دفن منذ سنوات خلف الصفقات والعقود والضغوط والجوائز
وأحست لوهلة قصيرة أنه لو عادت الآن إلى الداخل وأغلقت الباب الحديدي خلفها ونفضت يديها من هذا المشهد كعادتها فإن شيئا فيها سينكسر شيء لن يصلح مهما تعاظمت أرباح المطعم أو ازدادت الشهادات اللامعة على الجدران
تنفست بعمق ثم اتخذت القرار الأصعب في حياتها القرار الذي لا يتخذه عادة من اعتاد أن يأمر دون أن يعتذر وأن يقطع ولا يرمم
خطت خطوة إلى الأمام
ارتطم صوت كعب حذائها بالأرض بصدى حاد جعل الطفل ينتفض فجأة يضم الجرو إلى صدره بقوة كأنما يخشى أن ينتزع منه آخر ما تبقى من هذا العالم
توقفت
ومن تلك المسافة القصيرة رأت تفاصيل لم تنتبه لها قبل دقائق
أظافره المتسخة أطراف أصابعه الزرقاء كأن الدم تراجع عنها شفاه متشققة تنزف خيطا خفيفا وعينان واسعتان تحملان ذبول عمر يفوق سنه بسنوات طويلة
حاولت أن تتكلم لكن صوتها انقطع في حلقها
لقد اعتادت كلمات من نوع
أسرعوا أخرجوه هذا غير مقبول هذا عيب على مستوى الخمس نجوم!
لكنها لم تعتد كلمات مثل عذرا سامحني لقد أخطأت
وللمرة الأولى لم تكن المديرة هي التي تتحدث
كانت امرأة تحاول لأول مرة أن تكون إنسانا
قالت بصوت خافت متردد
يا صغير
رفع رأسه إليها لم ينطق شد الجرو أكثر إلى صدره بعينين فيهما سؤال واحد واضح
ماذا ستفعلين بنا الآن
ابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت أن تثبت نظرها في عينيه دون أن تهرب
قالت
أنا أنا فعلت شيئا فظيعا قبل قليل
لم تبد على ملامحه أي دهشة
ربما كما فكرت في عالمه ما فعلته ليس فظيعا على الإطلاق بل مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الإهانات
قال ببرود طفل تدرب على خفض توقعاته
لا بأس يا سيدتي أنا متعود
كانت جملته أخطر من كل الشتائم التي سمعتها في حياتها
أنا متعود
كان اعتياده على الإهانة مؤلما أكثر من الإهانة نفسها
حاولت أن تسيطر على ارتجاف أصابعها ثم قالت
لا ليس لا بأس ما فعلته ليس طبيعيا وليس صحيحا ولا يمكن تبريره
ساد صمت غريب هواء ثقيل يمر بينهما كأنه يحمل أشياء كثيرة لم تقل بعد
بهدوء أشارت بيدها نحو الباب
هل تسمح لي أن أدعوك إلى الداخل أنت والجرو فقط لتأكلا شيئا ساخنا وبعدها نتحدث
تجمد الطفل
ارتسم الخوف واضحا على وجهه كأنها تعرض عليه فخا لا مساعدة
هز رأسه نافيا بخفة
إن دخلت سيصرخون علي الناس لا يريدون أن يروني أنا وسخ
شعرت بريندا كأن قلبها يصفق داخل صدرها من الألم
قالت بسرعة دون أن تفكر
أنت لست وسخا أنا من كانت قذرة بحكمي عليك لا أنت
رفع حاجبه بدهشة كأن هذه الكلمات لا تنتمي للقاموس الذي اعتاد أن يسمع منه
كانت لا تزال ممسكة بكيس القمامة فتركته يسقط على الأرض دون اكتراث ثم خلعت معطفها الصوفي الثقيل ذاك الذي يساوي راتب شهر كامل لأحد موظفيها واقتربت خطوة ثم مدت المعطف نحوه
خذ هذا الجو بارد
تردد ثم نظر إلى الجرو ثم إلى المعطف ثم إليها
وسأل بصوت خافت
هل هل تريدين شيئا في المقابل
عندها شعرت بريندا أنها هي الطفل الذي يوبخ لا هو
قالت
لا أنا لم أكن أريد أن أعطيك شيئا لكن بعدما رأيت الآن فهمت أنني المحتاجة لأن أعطي لا أنت المحتاج لأن تدفع
تقدم بحذر أخذ المعطف لفه أولا حول الجرو ثم أدخل نفسه معه كأنهما يختبئان معا في كهف دافئ
قالت بهدوء
ما اسمك
ليو
ومنذ متى وأنت هنا
هز كتفيه
لا أعرف منذ خرجت من الملجأ ومن قبله الشارع ومن قبله بيت لا أريد أن أرجع إليه
لم تسأل
لم تكن مستعدة لفتح هذا الباب المظلم
لكنها شعرت بشيء يتكسر فيها أمام هذا الطفل
وقالت
حسنا يا ليو تعال معي الليلة على الأقل ستأكل وتشبع ولن تنام في الشارع
التفت
عندما فتحت باب المطبخ الخلفي شعر الطهاة بدهشة حقيقية كأن الواقع انشق فجأة ليدخل شخصين من عالم آخر رفع أحدهم رأسه باستغراب وقال بنبرة اعتراض آلية
سيدتي الناقد ما يزال في الداخل وهذا الطفل
قاطعت كلامه بنظرة صارمة لكنها مختلفة عما اعتادوه نظرة تحمل الحزم القديم نفسه لكن بداخله الآن خيط رقيق من الرحمة لم يألفوه
قالت بثبات
هذا الطفل ضيفي ومن يتجرأ أن يرفع صوته عليه لن يبقى في هذا المكان دقيقة واحدة
ساد صمت ثقيل ثم انهمك الجميع في أعمالهم لكنهم لم يكفوا عن مراقبة الطفل بطرف أعينهم كأنهم يشهدون شيئا لا يحدث كل يوم
أجلسته بريندا على كرسي خشبي في زاوية قريبة من الموقد حيث الحرارة أعلى وضعت الجرو على فوطة نظيفة قرب المدفأة فبدأ يرتجف أقل وكأنه يشكرها بعينين نصف مغلقتين
تقدم ماركو أحد الطهاة القدامى رجل خمسيني يحمل ملامح تعب عاش سنوات طويلة فوق نار الأفران قال بصوت هادئ
سيدتي يمكنني إعداد شيء بسيط حساء دجاج قطعة خبز طري وربما قليل من اللحم من طبق الناقد لن يلاحظ نقصها
نظرت إليه بريندا بدهشة صامتة
كانت تتوقع مقاومة لا مساعدة
ثم أومأت شاكرة ولأول مرة في تاريخها داخل المطعم قالت للطاهي
شكرا يا ماركو
جلس ليو على طرف الكرسي كأنما يجلس على حافة عالم لا يثق به وحين وضع الطبق أمامه ارتفع بخاره الدافئ برائحة طيبة غطت على رائحة الشارع الملتصقة
قالت له بلطف
كل كما تشاء هذا