لقد أعطاني دمه كي أواصل الدراسة… وحين احتاجني كدت أخسره
لقد أعطاني دمه كي أواصل الدراسة… وحين احتاجني، كدتُ أخسره
الرجل الذي ربّاني لم يكن أبي بالدم، لكنه كان أبي بالروح.
كان صديق أمي المخلص، سائق دراجة ثلاثية العجلات، يعيش في غرفة صغيرة مطلة على النهر.
وعندما رحلت أمي، لم يتردد يومًا وقال:
«الولد لا يجب أن يبقى وحيدًا… سأحميه بنفسي.»
عمل بلا كلل، في المطر والحرّ، كي أبقى في المدرسة وأحصل على فرصة في الحياة.
أتذكر الليالي التي عاد فيها متعبًا، عرقه يتصبب، ويداه متشققتان، لكنه ابتسم وأعطاني بعض الأوراق النقدية المجعدة، وقال:
«تبرّعت بالدم اليوم… خذ هذا لرسوم دراستك.»
لم يكن أبي الحقيقي، ومع ذلك دفع دمه من أجلي.
مرت السنوات، تخرجت وعملت بجد، وصرت
عرضت عليه أن يعيش معي في المدينة، لكنه ابتسم وقال:
«تعودت على الحياة البسيطة… لا أريد أن أكون عبئًا عليك.»
ثم جاءني يومًا، ضعيفًا ومرهقًا، وجلست أمامه أستمع إلى صوته المرتجف:
«يا بني… الطبيب قال إني بحاجة إلى عملية تكلف حوالي 60 ألف. لا أحد معي سوى أنت.»
حدّقت فيه صامتًا، ومرت أمامي صور طفولتي معه… ثم قلت ببرود:
«لا… لا أستطيع أن أعطيك سنتًا واحدًا.»
سكت، وأومأ برأسه ببطء، وابتعد وكأن قلبه ينكسر.
لكن شيء داخلي لم يحتمل. ركعت أمامه، أمسكت بيديه المرتجفتين، وقلت:
«أبي… أنت أبي الحقيقي. لقد أعطيتني كل شيء… وحان دوري الآن لأعتني بك.»
توقفت أنفاسي لحظة، كأن العالم التفت
ذلك العناق لم يكن مجرد لحظة عاطفية… كان اعترافًا متبادلًا بأن روابط الدم ليست وحدها التي تصنع الأبوة، بل تلك الأفعال التي تُبذل بصمتٍ طوال العمر.
منذ ذلك اليوم، لم يعد مجرد رجل عابر في حياتنا، بل صار جزءًا أصيلًا من بيتنا، من تفاصيلنا، من حكايتنا العائلية الصغيرة. زوجتي أحاطته بعنايةٍ صافية، وكأن قلبها وجد مساحة جديدة ليحبّ. لم تتذمر يومًا، بل شاركتني رحلة الاهتمام به، تقطع معه خطوات الشيخوخة بطمأنينةٍ نادرة.
حتى
كان البعض يسألني باستغراب:
«لماذا تهتم به إلى هذه الدرجة؟ ما الذي يربطك به أصلاً؟»
كنت أبتسم بهدوء، وكأن الإجابة محفورة في صدري منذ زمن، وأقول:
«الرجل الذي يُعطيك دمه لتبني مستقبلك… هذا ليس مجرد شخص. هذا هو الأب الحقيقي.»
هناك ديون لا تُقاس بالأوراق، ولا تُسدد بالمال، مهما كثرت أرقامه.
هناك ديون تُسدد بالوفاء… بالعطف… بأن تمد يدك لمن سبق أن مدّ قلبه إليك.
ديون تُسدد بأن تنظر في عين من ربّاك يومًا وتقول له:
وهذا وحده يكفي.