الفتي الأسمر والمليونيرة
"الولد الأسود الفقير سأل المليونيرة المشلولة: «أقدر أعالجك… مقابل بقايا الأكل؟» فابتسمت—ومن هنا اتغيّر كل حاجة…" في يومٍ خانق من أيام الصيف في مدينة نيو أورلينز، يومٍ كأن الشمس قررت فيه أن تنتقم من البشر، كان صبيٌّ في الرابعة عشرة من عمره يخطو بين الأرصفة بملامح جائعة. اسمه ديريك مور—نحيل، متسخ من أثر الشوارع، ينتعل حذاءً ممزقًا يكاد يفقد نعلَه في كل خطوة، ويحمل في يده كيسًا ورقيًّا فارغًا كأنه آخر ما تبقّى من كرامته.
لم يكن يبحث عن أحلام، بل عن وجبة… أي وجبة.
أمّه مريضة منذ أشهر، جسدها يذبل كل يوم، وأبوه اختفى من حياتهم تاركًا خلفه فقرًا لا يرحم.
وهكذا أصبح الجوع رفيقًا لا يفارقه، يقرص معدته ويوقظه ليلًا، حتى صار يشعر أنه يعيش بنصف روح.
وفي الجانب الآخر من المدينة، حيث المنازل تشبه القصور، كانت فيكتوريا لاين—اسمٌ يهزّ عالم الأعمال—تجلس على كرسيٍّ متحرك أمام نافذة واسعة تطل على حدائق ممتدة.
خمس سنوات مضت منذ أن قلبت حادثةٌ مروّعة حياتها رأسًا على عقب؛ كُسر في العمود الفقري، وشلل في النصف السفلي.
الثروة؟ وفيرة.
الشهرة؟ لا حدود لها.
لكن قلبها… كان أرضًا يبابًا.
لا شعور، لا رغبة، لا حياة.
كانت ترى العالم، ولا تشارك فيه.
وفي ذلك اليوم تحديدًا،
كان القدَر هناك ينتظر… وكان ديريك أقرب ممّا تظن.
وقف الصبيّ أمام الصندوق، عيناه اتّسعتا كأنهما وجدتا كنزًا.
بطنه أصدرت صوتًا مسموعًا، كأنه دعوة لا يمكنه تجاهلها.
مدّ يده… وقبل أن تلمس أصابعه الطعام، خرجت فيكتوريا من المقهى على كرسيها، ومارثا تدفعها من خلفها.
تجمّد ديريك.
عرفها فورًا—صورتها تملأ الصحف والشاشات.
"المليارديرة المشلولة"… اللقب الذي يحبه البعض ويكرهه البعض الآخر.
ابتلع ريقه، ثم قال شيئًا أغرب من كل ما يمكن أن يخطر ببال أحد:
"يا سيدتي… أستطيع أن أعالجك… مقابل بقايا الطعام."
رفعت فيكتوريا حاجبيها بدهشة، ثم ظهرت على شفتيها ابتسامة غريبة، نصفها سخرية، ونصفها ألم… وربما شيئًا يشبه الأمل.
قالت له:
"تعالجني؟ وكيف ستفعل ذلك؟"
أجاب بسرعة، وهو يرفع الكيس الورقي كأنه سلاحه الوحيد:
"والدتي كانت تعلّمني العلاج بالأعشاب… وأنا طوّرت بعض الأساليب وحدي. إن سمحتِ لي بتجربة بسيطة. إن نجحت… فخير. وإن لم تنجح… فأنا لا أريد سوى الطعام المتبقي."
تحركت مارثا لتطرده، لكن فيكتوريا رفعت يدها قائلة:
"دَعيه."
عادوا إلى القصر، وديريك يسير
كانت تلك أول مرة يدخل فيها بيتًا بهذا الحجم، لكن الانبهار لم يمنعه من الخوف.
قادوه إلى غرفة واسعة تفوح منها رائحة الأدوية، والجمود، والهواء الذي لا يتحرك.
قالت فيكتوريا ببرود ممزوج بفضول:
"حسنًا… أرني ما ستفعله."
فتح الصبيّ كيسه، وأخرج مجموعة أعشاب ملفوفة في قطعة قماش مهترئة.
شمّها، طحن بعضها، خلطها بماء دافئ تحضره مارثا بضجر.
قالت مارثا بتوتر:
"هذا عبث. هل ستسمحين لصبي مجهول أن يضع شيئًا على جسدك؟"
لكن فيكتوريا التي ضاق بها اليأس حتى لم تعد تخشى شيئًا، أجابت:
"دَعِيني أجرّب… ما الذي يمكن أن يكون أسوأ ممّا أنا فيه؟"
اقترب ديريك بخطوات ثابتة، ووضع المزيج بلطف على منطقة أعلى الظهر، ثم بدأ يحرك يديه بحركات دائرية بطيئة.
حركات كان يتلقاها من أمّه حين يمرض…
حركات بسيطة لكن مليئة بما يشبه الدفء.
ومع كل ضغطة، كان وجه فيكتوريا يهدأ…
أنفاسها تنتظم…
وكتفاها يهبطان قليلًا كأن حملاً ثقيلًا قد انزاح عنها.
وبعد عشر دقائق فقط، قالت بصوتٍ خافت:
"أشعر بوخز… خفيف… في قدمي."
شهقت مارثا:
"مستحيل!"
لكن ديريك قال بثقة لم يتوقعها أحد:
"هذا يعني أن الأعصاب بدأت تستيقظ. إن واصلنا العلاج… قد يحدث أكثر."
نظرت إليه
ثم قالت:
"هل يمكنك أن تأتي كل يوم؟"
ابتسم بخجل:
"إن كان هناك شيء آكله… نعم."
ولأول مرة منذ سنوات، ضحكت فيكتوريا… ضحكة حقيقية، خرجت من القلب لا من المجاملة.
ومن هنا بدأت القصة الحقيقية…
صار ديريك يأتي يوميًّا.
جلسات تدليك خفيفة، وأعشاب، ومخاليط بسيطة.
ومع مرور الأسابيع، كان التغيير يحدث ببطء… لكنه يحدث.
حتى جاء اليوم الذي تحركت فيه أصابع قدمها لأول مرة منذ خمس سنوات.
صرخت مارثا فرحًا.
وبكت فيكتوريا بكاءً طويلًا، بكاء امرأة وُلدت من جديد.
أما ديريك، فوقف بعيدًا ويداه ترتجفان—غير مصدّق أنه كان سببًا في عودة الحياة إلى جسدها.
ومع الوقت، لم يتغير جسد فيكتوريا فقط… بل روحها أيضًا.
بدأت تخرج إلى عملها، وتستعيد قوتها، وتضحك أكثر، وتفتح قلبها للصبي الفقير الذي أصبح جزءًا من يومها.
بعد أشهر من العلاج، حدث المستحيل:
وقفت… لأول مرة منذ خمس سنوات.
لم تقف وحدها، لكنها وقفت.
ومن شدّة التأثر، احتضنت ديريك بقوة وهمست:
"أنت رحمةٌ لم أرَها من قبل."
ولم تتوقف القصة هنا…
تبنّته رسميًّا.
أرسلته إلى مدرسة جيدة.
ثم إلى جامعة مرموقة.
وديريك؟
صار رجلاً.
أصبح طبيبًا متخصصًا في العلاج الطبيعي، يحكي