الصورة التي كشفت السرّ المدفون منذ 30 عامًا… وأعادت أخًا مفقودًا إلى حضن عائلته

لمحة نيوز

الصورة التي كشفت السر المدفون منذ 30 عاما وأعادت أخا مفقودا إلى عائلته
يا سيدي هذا الفتى عاش معي في الملجأ حتى بلغ الرابعة عشرة قالت الخادمة بصوت منخفض. كانت أروقة القصر غارقة في سكون ثقيل ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة. تقدمت الخادمة بخطوات حذرة كأن البلاط اللامع يخيفها. وقفت أمام آرثر مينيز وتنهيدة مقموعة ترتجف بين شفتيها قبل أن تهمس
يا سيدي ذلك الفتى عاش معي في الملجأ حتى بلغ الرابعة عشرة.
كانت كلماتها أشبه بحجر ضخم سقط في بحيرة راكدة. تجمد آرثر مكانه عينيه معلقتان باللوحة الزيتية القديمة التي كان يمر أمامها كل يوم بلا اكتراث. لكن اليوم كان الأمر مختلفا. كانت ملامح الطفل في اللوحة تتطابق حد الوجع مع ملامح شقيقه لوكاس ذلك الطفل الذي اختفى منذ أكثر من ثلاثين عاما تاركا خلفه عائلة محطمة وجرحا لم يندمل.
ابتلع آرثر ريقه بصعوبة وثبت نظره على ملامح الطفل المرسوم الشعر المنسدل بخفة العينان الواسعتان تلك البراءة التي كان يعرفها أكثر من أي شيء في هذا العالم. أحس أن الأرض تختفي تحت قدميه.
تمتمت الخادمة ويداها ترتعشان
كنا نناديه دانيال ولم يخبرني يوما من أين جاء.
وقف آرثر بلا حراك كأن الزمن انكمش حوله فجأة. سألها بصوت مختنق
هل أنت متأكدة
أومأت باستسلام
عرفته يا سيدي كنت أقرب الناس إليه في الميتم.
كان آرثر مينيز رجلا تحيطه الهالة ثروة طائلة نفوذ

واسع صفقات تحسم بإيماءة من رأسه. ومع ذلك لم يملأ شيء ذلك الفراغ المظلم في داخله الفراغ الذي خلفه اختفاء شقيقه الأصغر لوكاس عندما كان في الرابعة. في صباح خريفي في سنترال بارك التفتت المربية لحظة واحدةلحظة واحدة فقطوفيها اختفى الطفل من بين الأشجار كأن الأرض ابتلعته. ذلك اليوم.. انتهى طفولة آرثر إلى الأبد.
مرت سنوات طويلة. مرضت والدته من الحزن وغرق والده في العمل ورحل الموسيقى من البيانو العائلي. والوحيد الذي ظل ثابتا هو قسم قطعه آرثر وهو في الثامنة سأجد لوكاس مهما طال الزمن.
لم يكن يعلم أن الحقيقة ستطرق بابه عبر خادمة جديدة تدعى كلارا جاءت قبل أسبوعين فقط. كانت هادئة خجولة تحمل في ملامحها شيئا يشبه الأسرار الثقيلة. تجاهلها في البداية إلى أن وجدها واقفة أمام اللوحة تحدق فيها وكأنها رأت شبحا.
قالت له تلك الكلمات التي هزت عالمه كله.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد شيء كما كان.
في صباح اليوم التالي اصطحب آرثر الخادمة معه إلى الميتم القديم. كان المبنى ينهار كعجوز هرم ورائحة الرطوبة تعبق في الهواء. استقبلتهما أخت مسنة تدعى مادلينا وما إن رأت صورة اللوحة حتى شهقت
يا إلهي دانيال! كيف أنساه! لقد كان أطيب الأطفال!
بدأت الحقيقة تتسلل شيئا فشيئا. السجلات في الميتم كشفت صدمة كبرى
دانيال وصل في اليوم ذاته الذي أوقفت فيه الشرطة البحث عن لوكاس.
امرأة مجهولة ادعت أنها موظفة
اجتماعية أحضرته بأوراق مزورة وسط فوضى تلك الفترة. نشأ الفتى في الميتم هادئا منطويا بارعا في الرسم. وكان كلما شاهد خبرا عن طفل مفقود يبكي بلا صوت.
وفي يوم ما هرب. واختفى.
لكن قبل رحيله ترك خلفه رسما
منزل كبير بيانو طفلان يمسكان بأيدي بعضهما.
وفي الزاوية أنا لوكاس مينيز. سيعثر علي أخي يوما ما.
انهارت كلارا بالبكاء. أما آرثر فوقف كمن صفع بذكرياته كلها مرة واحدة.
قادتهما الأدلة بعدها إلى مستشفى قديم حيث تذكر الطبيب فتى هادئا فاقدا للذاكرة يقضي وقته في الرسم. سلمهما الطبيب لوحة أخرى نفس البيت ونفس الطفلين.
وقبل مغادرته المستشفى كتب الفتى ورقة قال فيها إنه سيعود إلى الميتم.
عاد آرثر وكلارا إلى هناك فوجداه مهجورا لكن داخل جدار متشقق كانت هناك رسومات حديثة نسبيا
عدت لكن لم يكن أحد بانتظاري.
سقطت كلارا جاثية بينما شعر آرثر بأن قلبه يمزق.
وبعد أسابيع ظهر الخيط الأخير
رسام شوارع في بلدة جبلية يوقع أعماله باسم لوكاس مينيز.
سافرا فورا وهناك وسط ساحة صغيرة تعج بالزوار رأيا رجلا يرسم وجه طفل. كانت نظراته تلك النظرات التي يعرفها آرثر من طفولته.
اقتربت كلارا. التفت الرسام إليها وقال مذهولا
أنت من الميتم أليس كذلك
بدأت تبكي. أما آرثر فتقدم خطوة بخطوة حتى وقف أمامه.
همس بصوت مرتجف
لوكاس
ارتجف الرجل كأن روحه مست جرحا قديما. أخرج آرثر الرسم القديم.
قال الطبيب هل
تتذكر هذا
تناوله
لوكاس بيدين راجفتين وحين رآه انهار.
قال بصوت مبحوح
كنت أحلم بهذا البيت البيانو وأخي الذي وعدني أن يجدني.
فتح آرثر ذراعيه وعانقه كما لو كان يخشى أن يتلاشى.
لم أتوقف عن البحث عنك أبدا.
وتجمع الناس يبكون بصمت بينما ينهار جداران من الفقد بين شقيقين فرقتهما عقود.
عاد لوكاس إلى القصر. عادت الذكريات ثم الموسيقى ثم الدفء الذي كان غائبا. ووجد آرثر رسالة كتبتها والدته
إن عاد لوكاس يوما قولوا له إن البيانو ينتظره. فالحب لا ينسى.
وفي إحدى الليالي جلس أمام البيانو والتحق به لوكاس وانسابت الألحان كأنها تغسل ثلاثين عاما من الألم.
كلارا وقفت تبتسم من خلال دموعها. كان القصر الذي كان قبرا للحزن ينفض الغبار عن قلبه للمرة الأولى.
وكشفت الحقيقة أخيرا
المرأة التي أخذت لوكاس تدعى تيريزا فيلار ممرضة تنتمي إلى شبكة تبن غير شرعية. كان يمكن لآرثر أن ينتقم لكنه قال
الماضي أخذ منا ما يكفي لن أسمح له أن يأخذ أكثر.
أسس مؤسسة لم شمل الأطفال المفقودين وتولت كلارا إدارتها. وصمم لوكاس شعارها طفلان يمسكان بأيدي بعضهما أمام بيانو.
وفي حفل الافتتاح قال آرثر
هذه حكاية بدأت بوعد والوعد الذي تحرسه المحبة لا يموت.
احتضنه لوكاس أمام الجميع
وجدت أخي ووجدت نفسي.
تأملت كلارا اللوحة المعلقة على الجداراللوحة التي بدأت بها كل الرحلةوكانت تبتسم.
وفي ذلك القصر ولدت حياة جديدة.

فالزمن يمحو الكثير لكنه لا يستطيع محو الحب الذي يتذكر دائما.

تم نسخ الرابط