المرأة المجنونة التي ظنّها الجميع بلا قيمة… كانت الأم الحقيقية التي أخفوها ٩ سنوات عن ابنتها
المرأة المجنونة التي ظنها الجميع بلا قيمة كانت الأم الحقيقية التي أخفوها ٩ سنوات عن ابنتها
جلست ترا تلك المرأة القوية التي تجاوزت أواخر الأربعينيات والصرامة مرسومة على ملامحها كما لو أنها ولدت بها تحتسي شايها ببطء مدروس. بدت كأنها تعد كلماتها قبل أن تخرج حتى إذا نطقت قطعت الصمت بخيط حاد واضح
لدينا الآن نتيجة الفحص وهذا هو مرساتنا. لكننا لا نقاتل من أجل الحضانة فقط يا يونس. نحن نقاتل من أجل حياة فلورنس من أجل كرامتها من أجل أن تستعيد حريتها. والدك وتلك المرأة
توقفت لحظة كأن الذكريات التي تعرفها جيدا أصبحت ثقيلة على لسانها. ثم قالت بصوت أشد ثباتا
لديهما المال والنفوذ وقصة ملفقة باعاها لكل الناس حتى صدقوها. أما نحن فعلينا أن نكون أذكى وأسرع وأن نرفض أن ننكسر.
أحست يونس أن حلقها يضيق وشعرت بحرارة صاعدة في صدرها. كانت كل كلمة من ترا تصيبها كمطرقة لكنها مطرقة من نور تصنع فيها شجاعة لم تعرف أنها تمتلكها.
قالت يونس بصوت مرتجف لكنه ممتلئ بالعزم
سأفعل أي شيء يا خالتي ترا. لا أريد سوى أن أستعيد أمي أريدها آمنة وبجانبي.
التفتت إلى فلورنس التي كانت جالسة بصمت كأنها تحاول أن تصير ظلا لا يرى. كانت أصابعها تشد على حافة ثوبها الجديد ثوب نظيف لكنه يقف في وجه صورتها القديمة كامرأة ضاعت في الشوارع.
اقتربت يونس منها وقالت بلطف
أمي هل أنت بخير
رفت شفتا فلورنس وخرج صوتها متكسرا كأنها تنطق من أطراف جرح لم يلتئم
ما زلت أسمع أصواتهم أحيانا يقولون إنك رحلت وإنني فقدتك وإنني فشلت في حمايتك.
غص صوتها فمدت يونس يدها وقبضت على يدها بقوة تقطع اليأس.
قالت يونس بشراسة لا تليق بفتاة في سنها
أنت لم تفشلي يا أمي. هم الذين كذبوا هم الذين آذوك. أما الآن فنحن معا وسنجعلهم يدفعون ثمن كل ما فعلوه.
انحنت ترا إلى الأمام وبريق من نار يلمع في عينيها
أولا تواصلت مع محام اسمه السيد أوكيكي. رجل محترف متكتم ويدين لي بجميل كبير بعدما ساعدت أخته قديما. سيقابلنا بعد الظهر في مكتبه في إيكجا. سنقدم طلب الحضانة لكننا لن نتوقف هنا. سنرفع دعاوى جنائية محاولة قتل إقصاء أم عن طفلتها عمدا إساءة معاملة وأي تهمة يمكن أن تصمد أمام المحكمة.
ارتفعت رأس فلورنس فجأة كأن صدمة كهربائية مرت في جسدها
سينكرون كل شيء سيقولون إنني مجنونة هذا ما كانوا يقولونه دائما.
ردت ترا بنبرة من فولاذ
دعيهم يقولون ما يريدون. الناس رأوك في الشوارع لسنوات يعرفون أنك لم تكوني هكذا قبل اختفائك. وشهادة يونس رغم أنها قاصر لها وزن. سنبني قضية يستحيل عليهم دفنها.
تحولت عينا يونس نحو هاتفها المطفأ الراقد أمامها مثل قنبلة تنتظر التفجير. ثم نظرت إلى ترا
ماذا لو كانوا يتعقبونني أبي يملك رجالا في كل مكان ربما أبلغ الشرطة بالفعل.
أظلم وجه ترا وقالت
هذا ما حدث. سمعت من صديقة في السوق أن والدك كان في مركز الشرطة يتباهى بنفوذه. يقول إنك هاربة وربما مخطوفة. الشرطة الآن توزع صورتك. لذلك لا خروج لا هاتف لا أخطاء. أنتما لستما في أمان حتى نحصل على حماية قانونية.
أومأت فلورنس ببطء لكن عينيها ظلتا عالقتين في الذكريات كأنها تعيش في زجاجة مغلقة. فقبضت يونس على يدها مجددا وقالت
سنكون بخير يا أمي المهم أننا معا.
في مكتب السيد أوكيكي كان الهواء مشبعا برائحة الكتب القديمة والقهوة. جلس المحامي النحيل ذو العينين الحادتين يصغي بتركيز بينما ترا تسرد القصة من بدايتها. كانت يونس تجلس قرب أمها تحاول تهدئتها بلمسات هادئة بينما ثوب فلورنس الجديد يرتجف مع كل حركة من حركاتها المضطربة.
كان تقرير الفحص موضوعا على المكتب وبجانبه دفتر يكتب فيه أوكيكي بسرعة.
رفع رأسه وقال بثقة
لدينا قضية حضانة قوية جدا. يونس قاصر وفلورنس أمها البيولوجية التي حرمت من حقوقها دون وجه حق. تقرير الفحص دليل قاطع. لكن بالنسبة للاتهامات الجنائية
نقر بقلمه على الطاولة
محاولة القتل ستكون صعبة دون شهود أو أدلة مادية من تسع سنوات. لكن إساءة المعاملة والتحرش والإقصاء المتعمد للأم عن طفلتها هذه يمكن بناؤها. شهادة يونس مهمة وحالة فلورنس النفسية لها وزن كبير.
سألت يونس بخوف
وماذا عن الشرطة أبي يتحكم فيهم.
ضاقت عينا أوكيكي وقال
تأثيره قوي لكنه ليس فوق القانون. سنقدم بلاغا مضادا ونطلب أمرا قضائيا يمنعهما من الاقتراب. أعرف قاضية لا تخضع للنفوذ.
ثم نظر إلى فلورنس
لكن هل تتذكرين شيئا عن محاولة قتلك أي تفصيلة مهما كانت صغيرة
قالت فلورنس بصوت يخرج من أعماق ألم لا ينتهي
أذكر ماء نهرا مجرى كبيرا دفعوني بداخله. استيقظت على الضفة مغمى علي وكان الناس يقولون إنني مجنونة. لم أكن مجنونة كنت أبكي فقد ابنتي.
توقف قلم أوكيكي وانحنى نحوها
أي تفاصيل إضافية قد تساعد.
لكن فلورنس هزت رأسها والدموع تحرق عينيها.
فقالت يونس وهي تمسك يدها
لا بأس يا أمي. سنجد الحقيقة.
خرجوا من المكتب فسحبت ترا يونس إلى جانب الممر وقالت مبتسمة رغم الإرهاق
أنت شجاعة لو كانت فتاة أخرى في سنك لانهارت منذ البداية.
هزت يونس كتفيها بتواضع لكن عينيها كانتا تحملان بريقا جديدا
أنا لا أفعل هذا من أجلي بل من أجلها.
ونظرت إلى فلورنس التي كانت تعانق تقرير الفحص كما لو أنه آخر خيط للنجاة وكأن الورقة الصغيرة تحمل بين سطورها وعدا مكتوما بأن الماضي ليس قدرا
لا يرد وأن الأمومة التي سرقت منها بالقوة يمكن أن تعود إليها ولو بعد سنوات التيه الطويلة. كانت أصابعها ترتجف حول التقرير وملامحها المعذبة تشي بأن الذكرى لا تزال تنزف داخلها رغم محاولاتها للتماسك.
قالت تارا بصوت أكثر ليونة مما اعتادت عليه
فلورنس الطريق لن يكون سهلا لكننا لن نسمح لهم بإخفائك مرة أخرى. لقد عاد صوتك وعادت ابنتك إليك وهذا وحده بداية الانتصار.
رفعت فلورنس عينيها بتردد كأنها تخشى أن تنهار كل هذه المعجزة بمجرد أن تنظر إليها مباشرة. لكن وجه يونس بجانبها ويده التي لم تفلت يدها منذ خرجتا من المكتب منحاها قوة خفية.
قالت يونس
لن يقدروا علينا يا أمي. هذه المرة نحن معا.
وللحظة قصيرة خيل لليونس أنها ترى ابتسامة صغيرةمجرد ظل ابتسامةتمر على وجه أمها قبل أن تطفئها ذكريات قديمة كانت تسحبها دائما إلى الأعماق مثل موج غاضب.
في الطريق إلى الشقة الآمنة كانت لاغوس تعج بأصوات المساء أبواق سيارات نداءات الباعة وضحكات عابرة تختلط بصخب لا يهدأ. أما داخل سيارة تارا فكان الصمت ثقيلا كأنهن يتحركن وسط زمن مختلف. يونس جلست في المقعد الخلفي بجوار أمها بينما تارا تقود بنظرة يقظة تراقب كل انعطاف وكل ظل.
همست فلورنس
هل سيتركني وشأني إذا أخذوا يونس مني
ردت تارا بسرعة وكأنها تخشى أن تترسخ فكرة كهذه في عقل فلورنس
لا. هم يريدان السيطرة لا الحل. وحتى لو تركوك كيف سنتركهم بعد كل ما فعلوه
أطرقت فلورنس رأسها ثم قالت بصوت مبحوح
كل ما أريده أن أعيش يوما واحدا بلا خوف يوما واحدا فقط.
مدت يونس يدها كتفها وقالت
سيتحقق ذلك يا أمي. أقسم لك.
في الشقة الجديدة التي دبرها أوكيكي بسرية تامة كان الظلام يمد ذراعيه على الأركان كأنه يحرسهن. جلست فلورنس على حافة السرير تحدق في جدار فارغ بينما راحت يونس تنظر من النافذة المغلقة بقلق.
دخلت تارا ووضعت حقيبة صغيرة على الطاولة وقالت
غدا جلسة الحضانة. أوكيكي سيأتي باكرا لنشرح آخر التفاصيل. علينا أن نكون جاهزات.
ثم جلست
فلورنس هل تستطيعين أن تتحدثي أمام القاضية
تشهقت فلورنس كمن يوقظه أحد من كابوس قديم
سأحاول. لكن كلما حاولت أن أتذكر الليلة التي أخذوها فيها أشعر كأن الهواء يهرب من صدري.
وضعت تارا يدها على يدها وقالت
لا نريد تفاصيل الجريمة الآن. نريد الحقيقة التي في قلبك. هذا يكفي.
رفعت فلورنس عينيها وفي داخلهما حيرة طفلة وكآبة امرأة مكسورة
هل ستصدقني القاضية أنا لا أبدو كأم صالحة.
صاحت يونس دون تردد
أنت أمي. ومن ينظر إلي يمكنه أن يرى ذلك.
كانت كلماتها بسيطة لكنها أصابت عمق فلورنس مثل ضوء يدخل غرفة مغلقة لسنوات.
مرت الدقائق ببطء حتى حل منتصف الليل. كانت يونس تجلس على الأريكة محاولة أن تدرس خريطة الغرفة التي فرت منها قبل ساعات تتخيل ملامح الرجل الذي لاحقهن وتسترجع صوت الباب حين تحطم. لم يتركها الخوف لكنه لم يشلها. بل زادها إصرارا.
اقتربت منها تارا وجلست بجانبها.
لا تحاولي حمل كل شيء فوق كتفيك يا يونس. لست مضطرة إلى أن تكوني الجدار الوحيد.
نظرت إليها يونس بعينين تلمعان بالإنهاك
لو لم أكن الجدار ستنهار أمي.
هزت تارا رأسها وقالت بحزم ناعم
بل أنت الضوء. وهناك فرق كبير.
تنهدت يونس ومسحت دموعا لم تردها أن تسقط.
أخشى أن يقرروا أن أبي هو الأصلح لي وأن يعيدوني إلى ذلك البيت.
قالت تارا
إذا حدث ذلك فلن أسمح لهم. ولن يسمح أوكيكي. ولن تقف فلورنس صامتة. أنت لست وحدك.
ثم أردفت بابتسامة قصيرة مطمئنة
والأهم أن الحق معنا هذه المرة.
في الصباح بدا النهار رماديا كأنه يشاركهن التوتر. جلست فلورنس ترتدي ثوبا بسيطا أعطته لها تارا بينما كانت يونس تساعدها على تمشيط شعرها. كل حركة صغيرة كانت تبدو لفلورنس كأنها تستعيد جزءا من حياتها التي سرقوها منها.
قالت يونس بهمس
أنت جميلة يا أمي.
ابتسمت فلورنس بخجل وقالت
هل أبدو مناسبة للمحكمة
أكثر من مناسبة.
دخل أوكيكي بثوبه الداكن وحقيبته الجلدية
علينا أن نتحرك الآن. الجلسة ستبدأ بعد ساعة.
وقفت فلورنس بتوتر بينما أخذت يونس بيدها.
قالت تارا
لن يصيبنا مكروه. اليوم سنقاتل بكلماتنا وليس بهروبنا.
لكن تارا لم تكن تعرف أن الخطر لم يبتعد بعد.
ففي تلك اللحظة كان سيغون يقف في زاوية الممر يراقب الشقة من بعيد وقد وصلته أوامر جديدة أشد غموضا وأشد خطورة.
وما إن خرجت السيارات إلى الطريق حتى التفت سيغون بخطوة هادئة واتصل بتشوما
لقد غادرن. هل أتابع
وجاء صوتها باردا كحد السكين
تابع لكن لا ترتكب خطأ واحدا.
رفع سيغون عينه إلى المربع السكني ثم قال
هذه المرة لن يهرب أحد.
تمام يا مي هكمل لك الجزء الثالث للنهاية وبنفس الأسلوب القوي اللي بدأنا به وباللغة الفصحى زي ما بتحبي.
وهنبدأ من آخر جملة كتبتيها
رفع سيغون عينه إلى المربع السكني تتلألأ فيها أنوار المساء مثل جفون مدينة لا تريد أن تنام. كان يقف في منتصف الشارع الضيق يمسك قفازيه الجلديين بيد وبالأخرى مسدسا صامتا وضعه داخل غمده المخفي. بدا كمن يعرف تماما أن الخطوة التالية ستغير مصير الجميع كمن وصل أخيرا للحظة التي ظل يطاردها لسنوات.
التفت إليه يونس عينيه تتنقلان بين المباني الرمادية يسمع أصوات الأسر المغلقة خلف النوافذ الروائح القديمة التي تخرج من المطابخ وصدى الضحكات البعيدة التي تنطفئ عندما يمر الهواء البارد. قال بصوت منخفض
سيغون هل أنت متأكد أنه هنا
هز سيغون رأسه بثقة
ثابتة
لم يعد لديه مكان يختبئ فيه. الرجل الذي يحظى بحماية الجميع خسر الآن آخر حماية.
كانت تارا خلفهما واقفة بخطوات ثابتة تمسك بملف صغير وضعته تحت معطفها. تحسست الحواف بأصابعها وكأنها تتأكد أنه
هو يعلم أننا قادمون. ولذلك ستكون الليلة إما نهايته أو نهايتنا نحن.
لم تكن فلورنس معهم. بقيت في المكتب مع عميل قانوني جديد يتولى تجهيز الطلبات الرسمية. لكن وجودها كان يثقل الهواء حولهم. كل خطوة يخطونها كانت من أجلها.
دخل الثلاثة المربع السكني. الإضاءة كانت خافتة والهواء يحمل رائحة مطر بعيد لم يصل بعد. سلالم قديمة تقرع تحت أقدامهم. جدران متشققة وأبواب متقابلة كأنها تراقبهم.
عند الطابق الثالث وقف سيغون. أشار بإصبعه نحو باب رمادي باهت.
هنا.
تجمد الهواء.
يونس ابتلع ريقه. تارا ضيقت عينيها. أما سيغون فقد بدا كمن ينتظر هذه اللحظة منذ أن ولد.
رفع يده وطرق الباب طرقا واحدا ثقيلا مسموعا في صمت المبنى كله.
لم يرد أحد.
طرق ثانية بصوت أعلى.
ثم من الداخل جاء صوت.
صوت رجل لطالما ظن أنه فوق العقاب فوق القانون فوق الجميع.
تفضل يا سيغون الباب غير مقفل.
نظرت تارا إلى سيغون بسرعة هو يعرف اسمك.
ابتسم سيغون ابتسامة قصيرة ثم دفع الباب ودخل.
كانت الشقة مظلمة إلا من مصباح أصفر يتدلى فوق طاولة صغيرة. وعلى الكرسي جلس هنري كارلاي الرجل الذي بدأ كل شيء الأكاذيب الابتزاز الاختفاء إخفاء الفحوص واتهام فلورنس بالجنون حتى يسلب منها حقها في ابنتها.
كان يجلس بلا خوف.
قال هنري وهو يضع ساقا فوق الأخرى
ظننت أنكم ستأتون أسرع من هذا.
تقدمت تارا خطوة
انتهت لعبتك. التقرير الطبي وصل. كل الأكاذيب التي نسجتها ستنهار.
أجاب هنري بابتسامة باردة
تعرفين يا تارا لا يهم الحق من يقوله المهم من يصدقه.
لكن قبل أن يكمل أخرج سيغون ملفا آخر ورماه أمامه. تناثرت الأوراق على الطاولة.
هذه شهادات الشهود. وهذه تسجيلاتك. وهذه حساباتك البنكية. كل شيء موثق.
تحولت ابتسامة هنري إلى وجه جامد.
وقبل أن يلمس الأوراق قال سيغون
هذه المرة لن تهرب. قلتها تحت المبنى وأقولها الآن.
هنري نهض. تقدم خطوة إلى تارا وقال بصوت منخفض
أنت لا تفهمين فلورنس لن تستعيد شيئا. لدي من يمسح كل هذا بجرة قلم.
صوت خطوات في الممر قطع كلامه.
فتح الباب فجأة.
دخل أربعة ضباط شرطة يتقدمهم مفتش معروف في المدينة.
قال المفتش وهو يرفع أمر التوقيف
هنري كارلاي أنت مطلوب بتهم التلاعب بالأدلة والابتزاز والتحريض وإيذاء قاصر.
شهق يونس. تارا وضعت يدها على صدرها. أما هنري فانكمش كرجل أدرك أن العالم لن يحميه مرة أخرى.
حاول الكلام لكنه لم يجد أي كلمة.
قيدوه واقتادوه خارج الشقة.
عندما خرجوا من المبنى كان المطر قد بدأ يهطل.
تقدمت تارا خطوة إلى الخارج رفعت وجهها إلى السماء وكأنها تغسل منه سنوات الظلم.
قال يونس وهو يبتسم أخيرا
فلورنس ستعيش.
سيغون لم يقل شيئا. اكتفى بالنظر إلى نقطة بعيدة في الشارع ثم أخرج سيجارة لكنه لم يشعلها. وضعها بين أصابعه وقال بهدوء
كانت أطول معركة خضناها لكنها انتهت.
سألته تارا
ماذا الآن
أجاب وهو ينزل الدرج الأخير
الآن نعيدها إلى حياتها.
عادوا إلى المكتب حيث كانت فلورنس تجلس على الكرسي تمسك بيد ابنتها الصغيرة التي كانت تبكي بصوت خافت وكأنها تخاف أن يكون ما يحدث حلما.
دخلت تارا أولا.
وقفت فلورنس.
لم تتكلم. لم تسأل.
كانت عيناها تبحثان عن إجابة واحدة.
تقدم سيغون انحنى قليلا ووضع أمامها نسخة من أمر القبض ثم قال
لقد انتهى كل شيء أنت حرة يا فلورنس. حرة بالكامل.
ارتجفت شفتاها. ثم انهارت على الأرض بالبكاء بكاء لم يكن ضعفا بل تحريرا لسنوات كاملة من الألم.
امسكت ابنتها. وضعت تارا يدها على كتفها. ويونس وقف في الخلف يحاول إخفاء دمعة خرجت رغما عنه.
قالت فلورنس
لم أعد خائفة لأول مرة منذ زمن طويل.
ابتسم سيغون أخيرا للمرة الأولى منذ بداية المعركة كلها وقال بصوت منخفض لكنه ثابت
هذه المرة لم يهرب أحد.
وكان ذلك ختام الحرب.
وبداية حياة جديدة.
النهاية