ابنتي غاضبة مني

لمحة نيوز

ابنتي غاضبة مني.
تغرق في ديون بطاقات الائتمان تكافح لتدبير أمور حياتها وتظن أنني قاسية القلب لأنني أهدر مدخراتي في رحلات إلى أوروبا ورحلات بحرية وأيام كسولة على الشاطئ
من وجهة نظرها يجب أن يضع الوالدان أبناءهما في المقام الأول دائما مهما بلغ عمر هؤلاء الأبناء.
إنها تعتقد أن أموال تقاعدي يجب أن تكون شبكة أمانها.
لكن إليك الحقيقة
طوال عقود عملت حتى الإنهاك. كنت أقتطع القسائم لتوفير القروش أتجاوز العطلات وأرتدي نفس المعطف الشتوي خمسة عشر عاما فقط لأوفر لها ملابس جديدة ورحلات مدرسية وتقويم أسنان وسقفا فوق رأسها دون أن ترى الشقوق في ميزانيتي.
كنت أحرص على أن يبقى عالمها مستقرا حتى عندما كان عالمي يهتز.
أعطيتها كل ما أستطيع.
والآن وأنا في الحادية والسبعين من عمري أمتلك أخيرا فرصة الاستمتاع بما ادخرته طيلة حياتي.
لكن بدلا من أن تفرح لأجلي غضبت لأنها ظنت أنني أرفض مساعدتها في سداد ديون صنعتها هي بنفسها.
خلال آخر حديث مؤلم بيننا قلت لها بهدوء لكن بحزم
حبيبتي أنا أحبك. لكنني لن أضحي بما تبقى لي من سنوات لأصلح قرارات لم أتخذها أنا. لقد كبرت الآن. حان الوقت لتقفي على قدميك لأنني أنوي أن أقف على قدمي أيضا حتى آخر بوابة سفر أنتظرها.
نظرت إلي وكأنني اخترت الغرباء بدلا منها وامتلأت عيناها

بخليط من الصدمة والخيانة.
ثم غادرت غاضبة وتركت وراءها صمتا مؤلما.
بعد أسبوعين بحزن في قلبي وشيء من العزم ركبت الطائرة إلى روما.
كانت الأيام الأولى غريبة.
كنت أتجول قرب الكولوسيوم ونافورة تريفي وأشعر بوخزة وحدة وجه ابنتي الغاضب يطل في ذهني فوق كل جمال أثري.
كلما رأيت أما وابنتها تضحكان وهما تتناولان الجيلاتو غمرني ألم مألوف في صدري.
هل أصبحت شريرة هل تستحق هذه الحرية أن أفقد حب ابنتي الوحيدة
وفي أحد الأيام داخل سوق صغير في فلورنسا رأيت امرأة تساوم على سعر حقيبة جلدية.
فأعادني المشهد ثلاثين عاما إلى الوراء.
تذكرت ابنتي حين كانت في السادسة عشرة تتوسل من أجل حقيبة مشابهة لحفلة المدرسة. كانت باهظة جدا. أخبرتها أننا لا نستطيع شرائها.
لكن ما لم أخبرها به
هو أنني عملت شهرا إضافيا في تنظيف غرف الفنادق ويدي متشققتان من مواد التنظيف القاسية فقط لأرى نظرة الفرح على وجهها حين أهديتها تلك الحقيبة.
لم أخبرها أيضا عن الليالي العديدة التي كنت أتعشى فيها على قطعة توست كي تأكل هي دجاجا
ولا عن اليوم الذي بعت فيه قلادة أمي أغلى ما أملك لأدفع مصاريف معسكرها الصيفي العلمي.
كانت تضحياتي هدايا سرية لا أعبر عنها بل أقدمها في صمت لأبنيها لا لأذكرها بها.
تلك الليلة في غرفتي الهادئة في الفندق كتبت لها
رسالة بريد إلكتروني.
ليست اعتذارا بل اعترافا.
ابنتي الحبيبة
أكتب إليك من فلورنسا.
خارج نافذتي أسمع موسيقى تعزف تذكرني بحفلات الأوركسترا التي كنت تصحبينني إليها. لطالما أحببت أصوات الكمان.
أعلم أنك غاضبة مني. وأعلم أنك تشعرين أنني تخليت عنك.
لكنني اليوم وأنا أسير في السوق تذكرت حقيبة الجلد التي رغبت بها عندما كنت في السادسة عشرة.
أريد أن أخبرك شيئا كان يجب أن أقوله منذ زمن.
لم أكن أعمل بجد فقط بل كنت أختار.
اخترت أن أبيع قلادة أمي لأرسلك إلى المخيم العلمي.
اخترت أن أنظف الغرف ليلا لأشتري لك تلك الحقيبة.
اخترت مرارا وتكرارا أن أضع راحتك وسعادتك فوق راحتي.
ولم أندم على أي من تلك الاختيارات.
كانت تلك التضحيات هديتي لك حين كنت تحت رعايتي.
أما هذه الرحلة فهي هديتي لنفسي الآن وأنا امرأة مسنة بعظام مرهقة وحياة طويلة خلفها.
لم أختر الغرباء بدلا منك يا صغيرتي.
لقد اخترت فقط أن أمنح نفسي لمحة من الجمال الذي كنت أحاول دوما أن أمنحه لك.
حبي لك بلا حدود لكنه يجب أن يتغير في شكله.
لن أكون شبكة الأمان بعد الآن يا حبيبتي.
لكنني أعدك بهذا
سأظل دوما أكبر مشجعة لك وأول من يصفق لك وأنت تتعلمين كيف تبنين حياتك بنفسك.
كل الحب
أمك
أرسلت الرسالة وشعرت براحة عميقة كأن حملا انزاح عن صدري.
نمت تلك الليلة
لأول مرة منذ شهور دون قلق.
مرت ثلاثة أيام بلا رد.
تابعت رحلتي قلبي أخف قليلا وإن ظل قلقا.
ثم اهتز هاتفي بإشعار. كانت رسالة منها.
ماما قرأت رسالتك. لم أكن أعلم. أنا آسفة جدا. كنت أنانية. أرجوك استمتعي برحلتك. سنتحدث حين تعودين. أحبك.
بدأ التغيير بالفعل.
وعندما عدت بعد شهر سمراء البشرة من الشمس ومتعبة من السفر كانت هي بانتظاري في المطار.
بدت مختلفة أقل غضبا أكثر هدوءا.
عانقتني بشدة وهمست سعيدة بعودتك يا ماما.
في المساء ونحن نستعرض صوري أخبرتني أنها باعت سيارتها الفاخرة وضعت ميزانية صارمة وأخذت عملا إضافيا في عطلة نهاية الأسبوع كنادلة.
قالت بصوت مفعم بالعزم
سيستغرق الأمر وقتا طويلا لأصلح ما أفسدت لكنني سأفعل ذلك بنفسي.
ثم أشارت إلى صورة لي وأنا أبتسم من ear to ear في قارب الغندولا في البندقية.
وقالت تبدين سعيدة حقا ماما.
قلت كنت كذلك.
ابتسمت ابتسامة حقيقية هذه المرة.
قالت جيد. تستحقين السعادة.
ثم نظرت إلي بعينين مليئتين بالصدق والدفء وقالت
عندما أصلح وضعي المالي هل تعلمين أريدك أن تعلمينني كيف ادخرت بهذا الشكل. أريد أن أتعلم.
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أكن شريرة كما ظننت.
أعظم هدية قدمتها لابنتي لم تكن المال الذي ادخرته بل الدرس الأخير الذي كان علي أن أعلمها إياه
قوة الوقوف على
قدميها والشجاعة لبناء حياة من صنع يديها.
علاقتنا لم تنته
لقد نضجت أخيرا.

تم نسخ الرابط