أطلِق سراحَ أبي… وسأجعلك تمشي

لمحة نيوز

«أطلِق سراحَ أبي… وسأجعلك تمشي.»

بهذه الجملة الجريئة التي نطقت بها طفلة في الثامنة من عمرها، انفـ.ـجرت قاعة المحكمة بضحكات قاسية، فقد تجرّأت على تحدّي أكثر قضاة المدينة هيبة ورهبة… القاضي والتر، المعروف بصرامته، وبكرسيه المتحرك الذي لازمَه منذ الحادث الذي أفقده القدرة على المشي.

دوّى صوت مطرقة القاضي في جدران محكمة العدل المركزية كالرعد الجاف. كانت القاعة مكتظة عن آخرها؛ الصحفيون يتزاحمون في الخلف، والكاميرات مستعدة لالتقاط الحكم المنتظر، والمحامون يتهامسون فيما بينهم، يعدّلون رباطات عنقهم ويتصفحون الملفات، بينما يبكي أفراد العائلات بصمت وهم يمسكون مناديل مبتلة.
وسط القاعة الواسعة التي تكدّس فيها الحضور وتراكمت فيها الأنفاس القلقة، ارتفعت

جدران المحكمة كأنها حصن لا يلين. أصوات الأوراق، وقع الأحذية، ورهبة المكان كانت تحاصر الجميع. في مقدمة المشهد، جلس القاضي والتر خلف منصته الخشبية العتيقة، كأنّه تمثال منحوت من الصخر. وجهه جامد لا يبتسم قط، وصوته حين يتحدث يشبه ضرب المطرقة: حاسم… قاطع… لا يرحم.
لا أحد كان يجرؤ على النظر طويلاً في عينيه المظلمتين، فقد عرف عنه منذ سنوات أنّه لا يميل للشفقة ولا يتأثر بالعواطف. حادث غامض أصابه في الماضي، سلبه القدرة على السير، وتركه حبيس كرسيه المتحرك. ومنذ ذلك الوقت، صارت قسوته حصناً يحميه من الضعف، وصار يتمسك بتطبيق القانون بصرامة تُخيف حتى أبرياء القاعة.
كانت القضية المعروضة ذلك اليوم تبدو في ظاهرها عادية: رودريغو سانتوس، موظف حكومي متهم باختلاس
الأموال العامّة، يجلس في قفص الاتهام متجمداً بين اليأس والرجاء. المدّعي العام يطالب بأقسى العقوبات، والجمهور يتهامس بأحكامه المسبقة. أمّا القاضي والتر، فابتسامته الباردة كانت تعني أن الحكم قد صيغ بالفعل في ذهنه.
لكن شيئاً واحداً لم يكن في الحسبان…
صرخ باب القاعة فجأة، واقتحمت طفلة صغيرة المكان بخطوات مرتبكة، وعينيها المتورمتين من البكاء تبحثان عن والدها. انطلقت نحو القفص كعصفورة جريحة، ثم التفتت بحدة نحو منصة القاضي. رفعت يدها الصغيرة المرتجفة، ومسحت دموعها بالأخرى وهي تقول بصوت اختلط فيه الخوف باليقين:
ــ «أرجوكم… لا تزجّوا بوالدي في السجن… سأجعلكم تمشون جميعاً… حتى أنت أيها القاضي!»
تجمّد المكان للحظة. ثم انفجر بعض الحضور في ضحكات مكتومة،
ورسم القاضي نصف ابتسامة ساخرة على شفتيه، متعجباً من جرأة الطفلة وكلماتها الغريبة.
إلا أنها لم تكن تمزح…
وقفت بثبات لا يليق بسنّها، وحدقت مباشرة في عينيه. نظرة طويلة… عميقة… كأنها اخترقت روحه. وفجأة انطفأت السخرية من وجه القاضي، وحل محلها ذهول غريب لم يستطع إخفاءه. مدّ يده لا إرادياً نحو قدميه… كأن شيئاً ما دافئاً ينبض داخلهما بعد موت طويل.
ارتفعت الهمسات في القاعة، وصوت القاضي اهتزّ لأول مرة منذ سنوات…
ما الذي فعلته تلك الطفلة؟
أهي مجرد كلمات؟ أم أن هناك قوة خفية تسري في عروقها؟
ولماذا شعر الجميع بأن المستحيل على وشك أن يحدث؟
الإجابات لم تكن بعيدة…
والمفاجأة التي ستقلب المحكمة رأساً على عقب…
كانت على بعد لحظات فقط من الانفجار.

التالي

https://pub153.

lamha.news/57099

تم نسخ الرابط