كان يفصلني يومٌ واحد فقط عن الزواج بزوجتي الجديدة
كان يفصلني يوم واحد فقط عن الزواج بزوجتي الجديدة فذهبت لتنظيف قبر زوجتي الراحلة.
وفي تلك اللحظة ظهر شخص ما وتغيرت حياتي إلى الأبد.
غدا هو يوم زفافي اليوم الذي انتظرته هي بصبر دام ثلاث سنوات. كل شيء جاهز القاعة العشاء الدعوات واحتفال العائلتين.
لكن في داخلي ما زال هناك جرح لم يلتئم قط ذكرى زوجتي الأولى تلك التي فقدتها في حادث سير قبل أربع سنوات.
أتذكر ذلك اليوم المأساوي كما لو كان يحدث الآن.
في ذلك الصباح خرجت زوجتي مبكرا إلى السوق لتشتري ما يلزم لإحياء ذكرى وفاة والدي.
لكن اتصالا واحدا قصيرا من المستشفى كان كافيا ليهدم عالمي كله
زوجتك تعرضت لحادث. فعلنا كل ما في وسعنا لكنها لم تنج.
عندما وصلت كان جسدها قد هدأ تماما لكن على وجهها بقي ذلك الابتسامة الرقيقة التي عرفتها دائما.
وقفت جامدا وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي.
لسنة كاملة عشت كظل لإنسان.
البيت الذي بنيناه معا بجهد وحب أصبح مكانا باردا خاليا من الحياة.
وكلما فتحت خزانة الملابس وشممت أثر رائحة منعم الأقمشة الذي كانت تحبه انهرت من جديد.
كان أهلي وأصدقائي يحاولون تشجيعي على بدء حياة جديدة لكنني كنت أرفض دائما.
كنت أشعر أنني لا أستحق أحدا بعد رحيلها وأن قلبي لن يجرؤ على استقبال الحب مرة أخرى.
إلى أن ظهرت المرأة التي سأرتبط بها غدا.
كانت زميلة جديدة في العمل أصغر مني بخمس سنوات.
لم تحاول التقرب ولم تطلب أي شيء لكن لطفها الهادئ أعاد إلي شيئا كنت أظنه مات للأبد.
حين أتذكر زوجتي الراحلة كانت تجلس إلى جانبي بصمت وتقدم لي فنجان شاي.
وحين كان صوت أبواق السيارات يفجر توتري كانت تضغط على يدي بلطف حتى أهدأ.
ثلاث سنوات لم تطلب خلالها أن أنسى الماضي بل انتظرت بصبر إلى أن يفتح قلبي بابه
وعندها قررت أن أتزوجها وأن أبدأ حياة جديدة.
لكن قبل أن أفعل ذلك شعرت بأن علي زيارة قبر زوجتي الأولى أن أنظفه وأشعل البخور على روحها.
أردت أن أؤمن بأنها حيثما كانت كانت سترغب أيضا في أن تراني سعيدا.
في ظهيرة رمادية أثقلتها غيوم نوفمبر بدأ المطر ينثر قطرات خفيفة كأن السماء تبكي بصمت خافت. كان المكان موحشا إلى حد جعل أنفاسي تتكاثف بردا وخوفا. المقبرة بدت خالية إلا من تمتمات الريح التي تعبر بين أشجار الكافور فتصافح الأغصان بصوت يشبه حشرجة ذكرى قديمة.
كنت أمسك بيدي حقيبة صغيرة أحضرتها بحرص بداخلها قطعة قماش ناعمة وزجاجة ماء وباقة من الزهور البيضاء وعلبة بخور تفوح منها روائح منسية. تقدمت نحو القبر ببطء وكأنني أخشى أن أوقظ الأرواح النائمة تحت التراب.
انحنيت بهدوء وضعت زهرة أقحوان ناصعة فوق الرخام البارد ثم
يا حبيبتي غدا أبدأ فصلا جديدا من حياتي. غدا سأتزوج من أخرى. أعلم أنك لو كنت ما تزالين إلى جواري كنت ستبتسمين وتباركين لي الطريق. لقد انتظرت طويلا وحياتي توقفت عند غيابك ولكن لا يمكنني أن أظل عالقا بين الماضي والرماد. سامحيني فلست أنساك ولن يحدث يوما.
تسللت دمعة ساخنة إلى وجنتي دون استئذان وسقطت على الرخام كأنها جزء مني يرفض الوداع. مددت يدي وأخذت أزيل الغبار عن شاهدة القبر أتحسس اسمها المكتوب كأن لمس الأحرف يعيد نبضها للحظة واحدة.
وفي تلك اللحظة بالضبط
سكون ثقيل اخترقته خطوات خفيفة خلفي.
خطوات مترددة لكنها قريبة للغاية
حتى شعرت بظل يمتد فوقي.
رفعت رأسي ببطء وصوت الريح يخفت فجأة
كأن العالم كله حبس أنفاسه وهو ينتظر ما سيحدث.
يتبع
https://pub153.