فتى سرق خبزا لينقذ أمه المحتضرة وبعد دقائق فقط حول قاض أميركي كل من في قاعة المحكمة إلى متهمين
دوى صوت الباب المعدني الثقيل وهو يفتح فجأة فانتشر صداه في كل ركن من أركان قاعة المحكمة الواسعة. وتبع ذلك صوت الحاجب بنبرة رسمية صارمة وهو يعلن
الرجاء الوقوف حضرة القاضي يصل الآن.
تقدم القاضي صموئيل كارتر بخطوات ثابتة نحو منصته مرتديا رداءه الأسود الذي يرمز إلى السلطة والعدل. كان يتوقع جلسة رتيبة كغيرها سرقة بسيطة لا تثير اهتماما خاصا في صباح باكر من أيام الثلاثاء الهادئة في مقاطعة هوثورن. لكنه لم يكد يجلس حتى توقفت عيناه عند المتهم أمامه فاهتز قلبه دون إرادة منه.
كان الفتى واقفا بجوار محامي الدفاع المعين من المحكمة نحيل الجسد في الخامسة عشرة من عمره بالكاد كأنما الريح تستطيع أن تطيح به. ظهوره منحن وملامحه غارقة في إرهاق ثقيل وعيناه باهتتان تحملان خوفا أعمق من سنه بكثير. أكمام سترته الواسعة تخفي يديه كأنه يشعر بالخجل من وجودهما وكأن القاعة كلها تهدد بابتلاعه.
تنحنح القاضي قليلا كي يستعيد صوته الرسمي
ما اسمك يا بني
لم يرفع رأس الفتى وصوته خرج هامسا متقطعا يكاد لا يسمع
ليام ليام باركر.
أخذ المدعي العام يفحص أوراقه ثم قال بصوت مسموع للجميع
حضرة القاضي تم ضبط المتهم ليلا وهو يأخذ رغيف خبز وقطعة جبن من متجر ميلر في الشارع الخامس.
انطلقت ضحكات خافتة من المقاعد الخلفية ضحكات مستهزئة من بعض المتفرجين الذين ربطوا السرقة بالجريمة فقط دون أن يتأملوا
التفت القاضي إلى الفتى وسأله بهدوء يشوبه شيء من الحنان
لماذا فعلت ذلك يا ليام
لم يتحرك رأس الفتى بقيت عيناه مثبتتين نحو الأرض وكأنها تلفظ كل ألمه. ثم خرج صوته متقطعا كمن يعترف بذنب مخز
أمي مريضة. لم تأكل منذ الأمس. وأنا أيضا كنت جائعا. لم يكن معي مال
انقطع الكلام لكن القصة اكتملت في أعين الجميع.
ساد صمت ثقيل لا يحتمل. لم يعد هناك ما يقال في تلك اللحظة.
راح القاضي يتأمل ملامح الفتى بإمعان خده الغائر الهالات السوداء تحت عينيه رجفتاه المتواصلتان. لم يكن يرى مجرما بل طفلا جائعا تحاصره الحياة بصلابة أكبر من احتماله.
تدخل المدعي العام محاولا استعادة الصرامة الإجرائية
حضرة القاضي صاحب المتجر مصر على متابعة الدعوى القانونية.
رفع القاضي يده مقاطعا بحدة غير مألوفة منه
لا مزيد من الكلام الآن.
ثم مال إلى الأمام وقال بصوت ارتفع قليلا صوت لم يحمل قانونا بقدر ما حمل قسوة الحقائق
يا ليام أنت تقول للمحكمة إنك سرقت الطعام لأنك لم تجد ما تطعمه لوالدتك المريضة ولأن الجوع كاد يفتك بكما.
أومأ ليام برأسه أومأة صغيرة جدا
نعم يا سيدي.
بدأ الخجل ينتشر بين الحاضرين كعدوى مفاجئة. توترت المقاعد وانخفضت أبصار الكثيرين.
أغلق القاضي الملف أمامه بهدوء ثم حدق في الحضور وقال كلاما لم يتوقع أحد سماعه يوما
هذا
شهقت امرأة جالسة وسط القاعة وظهر الارتباك جليا على وجه المدعي العام.
تابع القاضي
مجتمع يسمح لطفل أن يسرق كي يعيش هو مجتمع ارتكب جريمة أكبر من فعل هذا الفتى. إننا جميعا مذنبون مذنبون بتقصيرنا بصمتنا بعدم رؤيتنا لأولئك الذين يسقطون في الظل.
ثم أخرج محفظته أمام الجميع
أفرض غرامة قدرها عشرة دولارات على كل شخص بالغ في هذه القاعة وأنا أولهم. غرامة على تقصيرنا في حق هذا الطفل وأمه.
سرت همهمات صدمة واستغراب لكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض. وضع القاضي ورقة نقدية على المنصة وبدأ الموظفون يجمعون الأموال من الجميع.
ثم قال بصوت لا يقبل النقاش
كما أفرض على متجر ميلر غرامة قدرها ألف دولار تسلم كاملة لهذا الفتى ووالدته لتوفير الغذاء والدواء.
رفع ليام رأسه لأول مرة منذ بدأ الاجتماع عيناه متسعتان بدهشة تشبه دهشة طفل يرى للمرة الأولى بابا من الرحمة يفتح أمامه.
في تلك اللحظة بدا العدل أقرب إلى الإنسانية الحقيقية منه إلى السطور الجامدة للقانون.
انتشر الخبر في المقاطعة سريعا حتى قبل أن تنتهي الجلسة. ازدحمت الساحة خارج المحكمة بالصحافيين والمصورين وبدأت الحكاية تتسرب إلى القنوات والأحاديث تحمل معها موجة ضخمة من التعاطف والغضب معا.
لكن القاضي لم يلتفت لكل ذلك. كان يدرك أن أكثر ما يحتاجه ليام الآن ليس الضجة ولا التصفيق بل
دعا الفتى ومحامية الدفاع إلى مكتبه. جلس ليام قلقا يضم يديه بقوة بين ركبتيه كمن ينتظر حكما آخر
هل هل سأدخل السجن
ابتسم القاضي برفق وقال
لا يا بني. أنت لم ترتكب جرما يستحق العقاب.
لكنه أدرك شيئا أقسى من كل ما سمعه اليوم
هذا الفتى لم يتعلم من الحياة سوى الخوف. كان ينتظر العقاب تلقائيا لأنه لم يجرب يوما أن يحميه أحد.
انحنى القاضي قليلا نحوه
أخبرني كيف حال والدتك الآن
أجاب ليام بانكسار
حالتها سيئة. حاولت أن أحضر لها الدواء لكن لم أستطع. الليلة الماضية أغمي عليها. ظننت أنها قد ترحل.
انكسر صوت الفتى وسقطت كلمة ترحل كطعنة في قلب القاضي.
قال بحزم
سنذهب إليها الآن. ولن نتركها تواجه المرض وحدها بعد اليوم.
وانطلقوا جميعا نحو مقطورة صغيرة على أطراف البلدة حيث يبدأ فصل جديد من هذا القدر.
قادهم ليام عبر طرق ضيقة تطوقها البرك والطين حتى وصلوا إلى مخيم للمقطورات عند طرف مقاطعة هوثورن حيث يسكن الفقر كما لو كان ضيفا دائما لا يغادر. وقف الفتى أمام مقطورة قديمة يعلوها الصدأ بابها مائل يكاد ينفصل عن مفاصله.
فتح ليام الباب بحذر ونادى بصوت مرتجف
أمي لقد جئت.
كانت المرأة مستلقية على أريكة بالية شاحبة كأن الحياة انسحبت من ملامحها بهدوء. حين لمحته حاولت أن تبتسم لكنها لم تقدر إلا على همس متعب
ليام أنا آسفة يا ولدي.
اقترب القاضي وجثا قليلا إلى جانبها
سيدتي أنا القاضي كارتر. جئنا لنساعدك.