لم تمشِ ابنة المليونير يومًا إلى أن قامت الخادمة الجديدة ذات الأصول الإفريقية بما ظنّه الجميع مستحيلًا
لم تكن ابنة المليونير ليونارد غريفز قد خطت خطوة واحدة منذ ولادتها ولم يتوقع أي أحد أن يتغير هذا القدر القاسي إلى أن جاءت الخادمة الجديدة ذات الأصول الإفريقية لتفعل ما عجز عنه أطباء العالم
في تلك الليلة الممطرة عاد ليونارد إلى البنتهاوس الفاخر الذي يسكنه يحمل حقيبته الجلدية بيد ومعطفه المبتل يلتصق بكتفيه كان الليل يهبط على المدينة بثقل وصوت المطر يرتطم بزجاج النوافذ الطويلة كأنه يبكي معه حزنه الطويل أشعل الأنوار بخمول متوقعا أن يجد الهدوء الموحش ذاته الذي صار جزءا من حياته منذ ثلاث سنوات منذ رحيل زوجته حبيبته ومنذ أن فقدت ابنته الصغيرة إيلا ضحكتها وحقها في الطفولة
لكن شيئا غير مألوف اخترق السكون فجأة
ضحك
ضحك طفلة
ضحك عال متقطع يشبه زقزقة نور فاجأ الدنيا بعد ظلام طويل توقف ليونارد مكانه مصدوما وارتعش قلبه كطائر تحرر للتو من قفص صدئ هل يتخيل هل تجاوز الحزن عقله ليخلق أوهاما
ذلك الصوت كان صوت إيلا!
اتجه بخطوات حذرة نحو غرفة ابنته فتوقف أمام الباب الموارب قليلا وألقى نظرة عبر الفتحة
كانت هناك أمارا الخادمة التي عينها منذ أسبوعين فقط تجلس على سرير إيلا ظهرها مستقيم وشعرها المجدول ينسدل خلف كتفيها وكانت إيلا طفلته التي لم تقف يوما التي قال الأطباء إنها لن تمشي أبدا جالسة فوق ظهر أمارا تتمايل ضاحكة بجسد ممتلئ حياة
كانت ساقاها الضعيفتان تشدان على جسد الخادمة محاولة الاتزان ويداها تعانقان كتفيها بحماسة طفلة اكتشفت العالم للتو كانت أمارا تتحرك كأرجوحة هادئة تشعر الصغيرة بالأمان لا بالرعب
ثم حدث ما لم يحدث من قبل
زحف جسد إيلا الصغير من على ظهر أمارا ووضع قدميه على السرير ثم على الأرض
وقفت
وقفت وحدها!
غطى ليونارد فمه بكفه كمن رأى معجزة لم يجرؤ حتى على التنفس خوفا أن تنهار اللحظة
نظرت إليه إيلا بعينيها الزرقاوين الواسعتين وابتسامة مرتعشة تزين شفتيها الصغيرة ثم بخطى متقطعة غير ثابتة مشت نحوه
خطوة
ثم ثانية
ثم ثالثة
قبل أن تهوي
لم تسقط على الأرض فقد حملها والدها بسرعة وكأنه يخشى أن يسرق القدر منه هذه النعمة احتضنها بقوة ودموعه تسقط
كانت إيلا طوال عمرها بين يديه كقطعة خزف قابلة للكسر واليوم كانت تتمسك به كما لو أنها أقوى مما تخيل يوما
وقفت أمارا في زاوية الغرفة بصمت مهيب لا تطلب شكرا ولا تصفيقا وكأن ما حدث كان أمرا بديهيا بالنسبة لها كأنها رأت في إيلا ما لم يره أحد
قال ليونارد بصوت مخنوق
منذ متى يحدث هذا
أجابته بخفوت
منذ يومين كانت تتوازن على السرير وهي تمسك كتفي واليوم تركتني
حدق فيها مذهولا
لكن الأطباء قالوا إنها قد تمشي وليس ست تمشي
قاطعت كلامه بنبرة هادئة واثقة
هي لن تحاول إن لم تشعر بالأمان
توقفت الكلمات في حلقه أدرك فجأة أنه لم يمنح ابنته هذا الأمان من قبل لقد منحها المال الأطباء الأجهزة والرعاية لكنه لم يمنحها وجوده
تمتم مكسورا
لقد جربت كل شيء العلاج الفيزيائي أحدث الطرق ومع ذلك لا شيء تغير
هزت أمارا رأسها برفق
لأنهم حاولوا إصلاحها وهي لم تكن بحاجة إلى إصلاح
رفع
إذا ماذا كانت تحتاج
تنفست بعمق وقالت
كانت تحتاج إلى إنسان لا يطالبها بشيء إنسان يبقى معها دون شروط
ارتعش قلبه
وسألها بصوت يشبه الاعتذار
ولماذا بقيت أنت
عم صمت ثقيل قبل أن تجيب بصدق مؤلم
ذكرتني بطفل فشلت في إنقاذه
حكى لها
كان اسمه جوردان طفل في عامه الثاني لا يتكلم خائف من كل شيء توسلت لوالديه أن يمنحوه وقتا أن يتوقفوا عن الضغط فطردوني وبعد عام رحل وحيدا في المستشفى
لم تنزل دمعة واحدة من عينيها لكنه رأى الحزن حاضرا في صلب صلابتها
أقسمت لنفسي إن وجدت طفلا آخر يشبهه لن أتركه
شعر ليونارد بوخز في قلبه ليس من الحزن بل من الذنب لأول مرة يرى نفسه بوضوح مؤلم
نظر إلى إيلا النائمة بين ذراعيه بإبهامها داخل فمها لا تخاف من السقوط تخاف من أن يتركها والدها
قال لها بصوت مهزوم
أريد أن أغير كل شيء أريد أن أبقى
قالت أمارا بخفوت ثابت
إذن لا تقل افعل
ارتجف قلبه مع تلك الجملة وشعر أنه يسمع وصية
في تلك اللحظة ولد أب جديد
أشرق