كنت أنا وامرأة أخرى حاملتين من الرجل نفسه

لمحة نيوز

كنت أنا وامرأة أخرى حاملتين من الرجل نفسه.
قالت والدة زوجي آنذاك بلهجة قاطعة لا تقبل نقاشا
من تلد طفلا ذكرا ستبقى في العائلة.
لم أكن أتصور يوما أن ينقلب قدري بسبب جنس طفل لم يولد بعد. كنت أنا وامرأة أخرى نحمل من الرجل نفسه من زوجنا وكأن رحمين يختبران بامتحان ظالم يحدد من منهما يستحق البقاء. وقتها قالت والدة زوجي آنذاك بلغة لا تعرف الرحمة
من تنجب طفلا ذكرا ستبقى في هذه العائلة أما الأخرى فلتبحث لها عن مصير آخر.
كلماتها المسمومة لم تكن مجرد رأي كانت حكما نهائيا على مستقبلي. في تلك اللحظة أدركت أن البيت الذي أقيم فيه ليس منزلا بل ساحة مفاضلة وأنني لست زوجة بل وعاء لوريثهم المنتظر.
غادرت بيتهم ليلتها من دون ندم فأنا لم أعد أستطيع أن أعيش تحت سقف يقاس فيه الإنسان بعدد الكروموسومات التي يحملها جنين في أحشائه.
حين اكتشفت حملي ظننت بسذاجة أن الجنين سيكون خيط النجاة لزواج يتداعى كجدار مهجور. تخيلت أن ماركو سيعود رجلا يشبه الظلال

التي تعلقت بها قبل أن يتلاشى. لكن الخيانة تبدأ دائما بهمسة بنظرة بفراغ يتسع أكثر مما نحتمل. كنت أراه بعيدا بينما أقف بجواره رسائل مخفية هاتف لا يفارق يده ابتسامة مجهولة المصدر.
لكن الألم الحقيقي لم يكن خيانته بل معرفة أن عائلته كانت تعلم وترى وتبارك بصمت.
كنت أجلس بينهم ضيفة لا أكثر. امرأة مؤقتة في انتظار المرأة التي ستمنحهم اللقب الذي يريدونه أم الوريث.
وفي اجتماع عائلي بارد في منزلهم الفخم في كيزون سيتي وضعت يدي على بطني كمن يحمي آخر ما تبقى له. حدقت حماتي في وجهي بنظرة لا تشبه البشر وقالت أمام الجميع
إن كان المولود ذكرا فأنت باقية. وإن كانت فتاة فالبيت له صاحبة أخرى.
قالتها كمن يحدد مصير خادمة لا مصير زوجة ابنها. حدقت في ماركو أبحث عن ذرة رجولة عن أي كلمة تعيد إلي حقي كامرأة فلم ينطق. كان الصمت خياره الأبسط والجبن أعمق صفاته.
في تلك اللحظة تحطم شيء داخلي لن يصلحه الزمن.
في تلك الليلة نظرت إلى وجهي في زجاج النافذة ورأيت
امرأة لا أعرفها. امرأة كانت تحارب وحدها لتبقى. أدركت أنني لو أنجبت ألف ولد لن أصبح جزءا من عائلة تبني عزها على إهانة النساء. وقررت أن أنقذ ما تبقى من كرامتي.
في الصباح التالي خرجت إلى البلدية. وقعت أوراق الانفصال بيد ثابتة وقلبي ينزف. حين خرجت إلى الشارع بكيت كثيرا لكن بشكل عجيب كنت أخف من الهواء. فالهروب من الظلم بطولة لا يعرفها الضعفاء.
انتقلت إلى سيبو. شقة صغيرة راتب يكاد يكفيني وأحلام أصغر لكنها لي. عملت في استقبال عيادة طبية وبدأت أتعلم كيف يعيش الإنسان من دون خوف. أمي وأصدقائي القليلون كانوا العائلة الوحيدة التي آمنت بوجودي لأني أنا لا لأني أملك ذكرا في رحمي.
في تلك الفترة كانت المرأة الجديدة كلاريسا تزحف إلى مقعدي السابق. كانت تقدم بكل تفاخر
هذه هي من ستمنحنا الوريث الذكر امتداد العائلة!
كانت الأخبار تصلني من بعيد. لم أكن أكرهها بل أشفق عليها. فهي لم تدرك بعد أنها في اختبار مستمر وأن محبتهم مشروطة بوصول الصبي.
وجاء
اليوم المنتظر وضعت طفلتي في ليلة هادئة داخل مستشفى حكومي. صغيرة كنسمة دافئة كالحياة الأولى. لما احتضنتها لأول مرة انطفأت الحروب جميعها. لم يعد في رأسي سوى حقيقة واحدة
ما أجمل البدايات التي تأتي من رحم الجراح.
سميتها إليسا اسمها وحده كان كافيا ليعيد نبض قلبي.
بعد أسابيع علمت أن كلاريسا أنجبت. عمت الاحتفالات بيت دي لا كروز بالونات زرقاء ضحكات صور فخمة وكلمات مليئة بالغرور
الوريث أخيرا!
لم أشعر بأي نقص. كنت أرضع طفلتي وقلبي ممتلئا بسلام لا يعرفونه.
لكن القدر لا يترك المتكبرين يفلتون من دروسه
ذات مساء جاءني اتصال
الطفل مريض الأمر خطير.
شعرت بالبرد يسري في ظهري. مهما فعلوا بي لم أتمن يوما السوء لطفل بريء. عرفت بعدها أن الوريث الذي علقوا عليه كل مجدهم مبتلى بمرض وراثي خطير في القلب. لم تأت الحقيقة من السماء بل من فحوص طبية صارمة كشفت تاريخا عائليا خفيا مرضا لم ينج منه أخ ماركو صغيرا فسكتوا عنه ودفنوه مع جسده.
الآن لم يعد الصمت
ينفع.
فالمرض لا يخضع
تم نسخ الرابط