الخادمة التي أعادت الحياة لابنة المليونير وقلبه
دخلت ماريا القصر بهدوء يشبه همس الريح كأنها تخشى أن توقظ جدرانه التي تحمل أسرارها الثقيلة. لم يكن يسمع سوى صوت حذائها القديم وهو يلامس أرضيات الرخام الباردة يتردد صداه في الممرات الطويلة التي بدت خالية من الحياة.
كانت ماريا امرأة في الثانية والأربعين من عمرها أنهكها الزمن مبكرا. أرملة فقدت زوجها في مرض قاس وأم لطفل صغير يعاني من الشلل الدماغي جعلها القدر تعتاد الصبر والانحناء أمام قسوته.
ذلك اليوم كان بداية عملها في هذا القصر الضخم قصر من زجاج لامع ورخام أبيض مصقول يلمع بجمال فخم لكنه خال من الدفء. بدا الصمت فيه كأنه يحرس ألما لا يريد أحد الاقتراب منه.
وعندما دقت الساعة السابعة تماما رأت ماريا الطفلة للمرة الأولى. كاميلا ملاك صغير بعامها الأول بعينين واسعتين باردتين كليلتين من التعب تجلس بصمت داخل سرير واسع يفوق حجمها بكثير. كانت هادئة أكثر مما يلزم وكأنها استسلمت للحياة قبل أن تبدأ.
تقدمت ماريا بخطوات بطيئة بخبرة أم احتضنت الأطفال طوال حياتها لكن شيئا غير مرئي جعلها تتوقف. فالطفلة لم تتحرك.
لا ضحكة.
لا دمعة.
لا محاولة لجذب الانتباه.
مجرد نظرة زائغة إلى الفراغ كأنها لا تنتظر شيئا من أحد.
كانت المربية السابقة قد رحلت منذ أسبوع كامل وبقيت الطفلة بعدها رافضة للطعام. الطبيب حضر وتبعه أخصائيو التغذية لكن لا شيء
أما والدها ليوناردو رجل أعمال شهير غارق في أموال القطاع المالي فقد خسر زوجته في حادث مؤلم قبل شهور قليلة. ومنذ ذلك اليوم اختفى الأب وبقي المدير يهرب من حزنه بحجة العمل تاركا الطفلة خلفه تتلاشى ببطء.
دخل ليوناردو الغرفة في تلك اللحظة مرتديا بدلة باهظة كأن مظهره وحده يحفظ ما تبقى من القوام. الهالات السوداء تحت عينيه كانت تشي بليال تعيسة كأن النوم أصبح عدوه الجديد.
توقف عند باب الغرفة ونظر إلى ماريا بملامح متحجرة قائلا بفتور
هي لن تأكل. لا ترهقي نفسك. لقد جربت كل شيء.
لكن ماريا أجابته بثبات لا يخلو من رقة
لا توجد طفلة ترفض الطعام دون سبب يا سيدي. ربما هي تحاول أن تقول شيئا لكن أحدا لم يصغ بعد.
رفع حاجبيه بسخرية باهتة وقال
أترين نفسك خبيرة أكثر من الأطباء يا دونا ماريا
خفضت رأسها تواضعا لكنها لم تتراجع
لا يا سيدي لا أفهم أكثر من الأطباء لكنني أفهم الألم.
لم يجد ما يرد به فاكتفى بأن يستدير مغادرا تاركا خلفه صدى خطواته الفخمة يرقص في أرجاء المنزل.
تنهدت ماريا ونظرت نحو الصغيرة اقتربت منها برفق التقطت قطعة قماش ناعمة ومسحت وجنتيها برقة وهمست
كل شيء بخير يا صغيرتي لن يجبرك أحد على شيء بعد الآن.
في تلك اللحظة تحديدا رفعت كاميلا عينيها نحوها نظرة خجولة لكنها
مرت الساعات التالية ببطء ماريا تنظف وتعيد ترتيب الأماكن التي خلت من روح بشرية منذ زمن. لكن قلبها بقي معلقا بتلك الغرفة. كانت تعود إليها في كل استراحة تنظر حولها بتمعن
صورة أم على الطاولة مقلوبة كأن أحدهم لم يحتمل النظر إليها
غرفة باردة خالية من الألوان
لا ألعاب
لا ضحكات
كل شيء مرتب أكثر مما يجب وحزين أكثر مما يجب.
وحين جاء وقت الغداء أعدت ماريا وجبة مهروسة بسيطة بطعم يشبه البيت يشبه الأم. ملأ عبق الطعام الدافئ أرجاء المطبخ كأن القصر نفسه يتنفس للمرة الأولى منذ رحيل صاحبة الابتسامة التي كانت تملؤه.
أخذت الوعاء وتوجهت نحو غرفة الصغيرة. كانت تعلم أن كاميرا المراقبة تعمل وأن ليوناردو يتابع بصمت يختبرها أو ربما يختبر أمل الطفلة الأخير.
جلست ماريا على الأرض قرب السرير وبدأت تغني بصوت خافت أغنية قديمة من قريتها نغمة تحمل حنان كل الأمهات اللاتي لم يدرسن الطب ولكن شفين قلوب أطفالهن بنبضة.
رفعت كاميلا رأسها قليلا. عيناها تراقبان ماريا بفضول خجول. لم تحاول ماريا إجبارها. وضعت الوعاء قربها واستمرت بالغناء برقة ببساطة بصدق.
ومع مرور لحظات بدت أثمن من الزمن نفسه امتدت يد صغيرة مرتجفة نحو الملعقة. قبضت عليها كاميلا بضعف ثم دفعتها ببطء نحو فمها.
وأكلت.
في غرفة الجلوس كان ليوناردو يحاول
كانت شاشة المراقبة أمامه تعرض غرف القصر ببرود آلي في طقوس رتيبة تعود عليها. غير أن ما ظهر فجأة على الشاشة جعله يقفز من مقعده ويسقط الفنجان أرضا.
ابنته تأكل!
ركض كمن ينافس الريح وتوقف عند باب غرفة الطفلة متجمدا في مكانه يحدق غير مصدق. كان المشهد أمامه بسيطا.. حد المعجزة ماريا جالسة على الأرض تغني بصوت خافت والرضيعة كاميلا تمسك الملعقة وترفعها إلى فمها وحدها.
همس بذهول ممزوج برجفة عاطفية
كيف كيف فعلت هذا
رفعت ماريا بصرها نحوه بخجل لا يعرف خوفا وقالت بثبات هادئ
كانت تحتاج أن تشعر بالأمان فقط يا سيدي. فبعض الجوع لا يكون في المعدة.
ساد الصمت لحظة طويلة قبل أن يشيح بنظره متوترا. لم تكن الكلمات التي سمعها مألوفة على أذنيه فقد اعتاد الأوامر الأرقام الأموال لكنه نسي منذ زمن كيف تعالج الأرواح.
تمتم بنبرة مكسورة
إنها لم تأكل منذ جنازة أمها لم أعد أعرف كيف أساعدها.
اقتربت منه خطوة وكأنها تداوي بجملة واحدة ما عجزت عنه أشهر من اللامبالاة
الأطفال يشعرون بكل شيء يشعرون بالغياب وبالحزن حتى إن كان من يحبهم يقف بجوارهم.
ابتلع دموعه بصعوبة ثم استدار مغادرا قبل أن ينهار صوته أكثر.
مع غروب الشمس مرت ماريا قرب مكتب ليوناردو لتعيد قطعة قماش. توقفت حين سمعت