من طفل منبوذ إلى رجل يختار المغفرة
نشأتُ في بيتٍ لم يتمنَّ لي أحدٌ أن أكون واحدًا من أبنائه. رحل والداي في حادث سيرٍ قاسٍ وأنا في التاسعة من عمري، ووجدت نفسي وحيدًا في عالمٍ لم يفتح لي ذراعًا واحدة. عمي صموئيل كان القريب الوحيد الذي يربطني بنسب الدم، فكان هو المرشّح المنطقي لاحتوائي بعد وفاة والديّ. غير أن كلمة احتواء لم تكن مناسبة لوصف ما فعل… لقد قبل وجودي في بيته فقط لأن الناس ألحّوا عليه حتى لا يقال إنه ترك ابن أخيه للشارع.
أتذكّر نبرة صوته حين كان يقول يومًا ما إنني "جالب سوء الحظ"، كأن النحس يتشكل بصورة طفل. كان ذلك قبل أن تتغير حياتي تمامًا، قبل أن أعرف أن الطفولة ليست دومًا حضنًا واسعًا ولا دفئًا يشبه الغطاء، بل قد تتحول إلى شقوق تبتلع الروح ببطء.
منذ اللحظة التي وُري فيها والداي الثرى، انحنى الكبار نحوي يتهامسون وهم يظنون أن أذنيّ لا تلتقط الهمسات:
إلى أين سيذهب؟
من سيعتني به؟
أسرة الأم بعيدة… وإخوة الأب لهم حياتهم.
حتى قال أحدهم ببرودٍ حاسم:
صموئيل هو الوحيد المتبقي… فليأخذه.
لم يقترب عمي مني، لم يعانقني ولو بشكلٍ متصنع… كل ما فعله أنه أومأ برأسه بجمودٍ كأنني عبءٌ ثقيل فُرض عليه.
ومنذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها حقيبتي الصغيرة على أرض بيته، أدركت أنني غريب بينهم. زوجته، عمّتي نورا، نظرت إلي نظرة تشبه النظرة التي تُرمى على بقعة طين أفسدت بلاطًا نظيفًا. أما أولادهم الثلاثة—بنتان وصبي—فحدقوا فيّ دهشةً ممزوجةً بالاستياء؛ كأنني دلفت إلى عالمٍ خُلق لهم وحدهم.
لم يُخبرني أحد بقوانين البيت، لكنني تعلّمتها سريعًا من النظرات الحادة، ومن طريقة تشديد فكّ عمّتي، ومن
لا تلمس هذا!
لماذا أنت واقف هنا؟ تحرّك!
اخفض صوت تنفسك!
كنت أستيقظ قبل الجميع لأغسل الصحون، أجلب الماء، أكنس الساحة، أنزع الأعشاب، أطبخ أحيانًا… وكل ذلك بينما يجلس أطفالهم متشابكي الأرجل على الأريكة يشاهدون الرسوم المتحركة ويأكلون الحلوى. وإن توقفت لثانية، كانت عمتي تصرخ في وجهي:
“أتريد أن تأكل هنا؟ إذًا اعمل!”
الجوع كان رفيقي الصامت… ينهش بطني كل ليلة حتى شعرت أنه سيبتلعني. أحيانًا يضعون لي بقايا طعام بالكاد تغطي قاع الطبق، وأحيانًا—وهو الأسوأ—يتناسون أنني موجود.
ومع بلوغي الرابعة عشرة، بدأ شيء أكثر ظلمة يتسلل إلى البيت. فقد عمي عمله، وانكسر كبرياؤه تحت وطأة العجز، فبحث غضبه عن هدفٍ ضعيف… وكنت أنا ذلك الهدف المثالي: صغير، صامت، لا سند له.
صار كل شيء ذريعة للعقاب:
“تركت الوعاء في المكان الخطأ!”
“أنت كسول!”
“أنت تخرب هذا البيت!”
يضربني عندما يغضب… ويضربني عندما يشرب… ويضربني حتى دون سبب، فقط لأنه قادر على ذلك.
وفي مساءٍ لم أنسه، تركت البوابة مواربة دون قصد. التقط شاحن هاتفٍ ثقيل ورماه نحوي بكل ما في ساعده من قوة. ارتطم الشاحن بالجدار قرب رأسي، وتناثرت القطع حولي. صرخ محمر الوجه:
“ستقتلنا يومًا أيها الولد المشؤوم!”
انضمت زوجته وهي تشيح بيدها في الهواء:
“الأيتام لا يأتون إلا بالمشاكل! لقد حذرتك!”
حينها لم أعد أشعر بشيء… الدموع جفّت منذ شهور، وصار الألم لغةً يجيدها جسدي أكثر من أي لغة أخرى.
في المدرسة لم يكن أحد يعلم ما يجري. كنت أرتدي زيًا ممزقًا بعد أن أجبرني عمي على خياطته بنفسي، فكانت الغرز
نادتني بعد انتهاء الحصة، وضعت يدها برفقٍ على كتفي… لمسة إنسانية واحدة كادت أن تفتح بوابة دموعٍ احتجزتها طويلًا.
سألت بصوتٍ دافئ:
“هل يحدث شيء في البيت؟”
هززت رأسي سريعًا:
“لا… لا شيء يا معلمتي.”
نظرت إلي مطولًا ثم قالت:
“حسنًا… لكن إن احتجت للمساعدة، فأنا هنا.”
لم أتحدث… ليس لأن الوضع يحتمل الصمت، بل لأنني كنت أخشى أن أصبح كرةً تُقذف من بيتٍ إلى آخر… كنت أخشى الوحدة والقسوة معًا.
لكن الحقيقة—بطبيعتها—لا يمكن أن تبقى مختبئة إلى الأبد…
في صباح يومٍ بارد، كان أشبه بصفحة جديدة تمتلئ سوادًا قبل أن تُكتب، استيقظت وأنا أحمل آثار ليلة كانت الأسوأ في حياتي. كان وجهي منتفخًا كأنّه عُجن ضربًا، عينٌ بالكاد تُفتح، وشفتان متورمتان تصرخان بصمت. حاولت أن أخفي كل ذلك بتوجيه وجهي نحو الأرض، لكن العيون البصيرة لا يخدعها الانحناء.
حين رأتني السيدة أماكا عند بوابة المدرسة، توقفت فجأة كأن الزمن تجمّد. تقدّمت نحوي بملامح متشنّجة بين الذعر والغضب، وهتفت بصوت مرتعش:
"يا إلهي… من فعل هذا بك؟"
لم تنتظر مني كذبة مهزوزة أو تبريرًا حفظته مسبقًا. بسرعةٍ لا تشبه تردّد البالغين عادةً، استدعت المدير. صوّروا الإصابات، كتبوا تقريرًا عاجلًا، تواصلوا مع مكتب الرعاية الاجتماعية، وفي الظهيرة نفسها كانوا يقفون أمام باب عمي.
لن أنسى تلك اللحظة ما حييت…
دخل العاملون الاجتماعيون ساحة البيت، فانفجر عمي غضبًا وكأنّ الخلاص قد جاءه على طبق من فضة:
"خذوه!
كانت الكلمات سهامًا تُرمى دون رحمة، وتابع بصوت يقطّع الهواء:
"منذ أن وطئت قدماه هذا البيت وكل شيء ينهار! إنه جالب سوء حظ! لقد أُرسل ليُدمّرني!"
كنت أقف خلفهم أرتجف كالورقة في مهب ريحٍ باردة. لم يخفِ اشمئزازه ولا بغضه، لم يخفّض صوته احترامًا، لم ينظر إلي مرة واحدة كإنسان… بل كشيء يجب التخلص منه.
وحين اصطحبوني إلى سيارة الرعاية، أطلق صرخته الأخيرة التي نقشت نفسها في عظامي:
"لقد دمرت حياتي!"
أغلق باب السيارة بهدوء قاسٍ، ونظرت من خلف النافذة. قلت لنفسي إنني لا أهتم… لكن الحقيقة أن شيئًا بداخلي تحطم بصوتٍ لم يسمعه أحد، تحطم نهائيًا وبلا رجعة.
كان ملجأ الأطفال عالماً آخر… مكانًا يتحدث فيه الناس بلطف، ويأتي فيه الطعام بلا مقابل أو إهانة. مكان لا يُسمع فيه الليل صراخًا ولا طرقاتٍ غاضبة على الأبواب. نمت ليلتها بعمقٍ لم أعرفه منذ سنوات، كمن وجد وسادة من غيم بعد عمرٍ طويل من النوم على الحجارة.
ومن بين المتطوعين هناك، كان السيد كويكو… رجل ستيني بملامح تجمع الهيبة والطمأنينة. عيناه دافئتان، ولحيته البيضاء تليق بحكيم يعرف الكثير لكنه لا يفرض شيئًا.
لم يسألني عن الماضي يومًا… كان يجلس معي كل مساء، يعلمني الرياضيات واللغة الإنجليزية. وحين يشرد ذهني إلى ذكريات ثقيلة، كان يدندن أغانٍ إفريقية قديمة بنبرة قادرة على ترميم الشقوق الخفية في الروح.
قال لي ذات مرة وهو ينظر بعيدًا:
"الألم قد يقوّيك، لكن فقط إذا واجهته… لا إذا حملته لعنةً على كتفيك."
لم أفهم تمامًا… كنت أعرف فقط أنّ قربه كان يشعرني بالأمان.
مرت الشهور، وفي يومٍ ما،