يا سيدي أستطيع أن أجعل ابنتك تمشي مجددًا

لمحة نيوز

«يا سيدي… أستطيع أن أجعل ابنتك تمشي مجددًا»، قالها صوتٌ صغير مرتجف خلفه…
استدار دانيال هايز ببطء، وضيّق عينيه المتعبتين وهو ينظر إلى صبيّ نحيل يرتدي ملابس ممزّقة، وقد غطّى الغبار قدميه الحافيتين. لم يكن عمره يتجاوز التاسعة. كان وجهه ملطخًا بالأوساخ، لكن عينيه عينيه كانتا ثابتتين، تحملان شيئًا لم يره دانيال منذ زمن طويل: الإصرار.
مرّت ستة أشهرٍ ثقيلة منذ أن فقدت صوفي قدرتها على المشي. عدوى خبيثة ضربت عمودها الفقري، فأتلفت أعصابًا قال الأطباء إنها لا تتجدد. كانوا يرددون ببرودٍ طبي جامد:
«لن تتمكن من المشي مجددًا.»
تلك الجملة أصبحت كالكابوس، تتكرر في أذن دانيال كل ليلة، كأنها لعنة كُتبت على قلبه قبل أن تُكتب على جسد طفلته. هو، الذي بسط نفوذه على مدنٍ بأكملها وبنى ناطحات سحاب في كل مكان، يقف الآن عاجزًا أمام خطوات طفلةٍ واحدة توقفت فجأة.
صوفي… كانت ضوء بيته وروحه. بطلتها الصغيرة التي كانت تركض في جنبات المنزل وتلاحق الفراشات في الحدائق، صارت أسيرة كرسي متحرك يرافقها كظل ثقيل. ضحكاتها التي كانت

تفتّح الأبواب المغلقة اختبأت خلف جدران الصمت والوجع. ألعابها تراكم عليها الغبار… ودفتر الألوان الذي أحبته لم تُمدّ إليه يدها منذ شهور.
غرفتها تحولت إلى شبه وحدة طبية؛ أنابيب وأجهزة ومحاولات لا نهاية لها. كل تجربة علاج جديدة كانت شرارة أمل… سرعان ما تنطفئ.
في ذلك اليوم الرمادي، جلس دانيال على مقعدٍ خشبي خارج مستشفى “سانت لوك”. كان الجو باردًا، والسماء محمّلة بغيوم ثقيلة تشبه قلبه. أمسك رأسه بين يديه، يشعر للمرة الأولى أن ثروته كلها لا تساوي شيئًا أمام معاناة طفلته. كانت قوته التي طالما تفاخر بها تبدو زائفة، هشّة، كأنها تتبخر مع كل تنهيدة تخرج من صدره.
وفجأة، سمع صوتًا بجانبه:
«أستطيع مساعدتها.»
رفع رأسه بحدة، فعيناه لم تعتادا على سماع جملة مختلفة عن حكم الأطباء. كان الصبي يقف أمامه بثياب بسيطة وشعر مبعثر، عيناه داكنتان فيهما ثقة غريبة. قطّب دانيال حاجبيه وقال بنبرة حادة:
«ماذا قلت؟»
كرّر الصبي بثبات غريب رغم الرياح التي تعبث بثيابه:
«قلت إنني أستطيع مساعدتها على الوقوف والمشي من جديد.»
في
الظروف العادية، لكان دانيال ضحك وابتعد، لكنه لم يفعل. شيء ما في صوت الصبي… في حضوره… جعله يصمت لحظةً أطول.
«وكيف ستفعل ذلك؟ أنت لست طبيبًا… أنت مجرد طفل.»
قالها دانيال باستهزاءٍ حاول أن يخفي به خوفه من أن يتعلّق بأملٍ جديد فيخونه.
هزّ الصبي رأسه بثقة:
«أعلم أنني لست طبيبًا. لكنني ساعدت من قبل. أختي الصغيرة… بعد حادثٍ مروّع… قالوا إنها لن تمشي أبدًا. الجميع استسلم… إلا أنا.»
اقترب أكثر، وأكمل وهو ينظر مباشرة في عينيّ دانيال:
«الآن تجري… وتلعب… وترقص. لست ساحرًا، لكنني أعرف طريقًا آخر. طريقًا لا يعرفه الأطباء.»
حدّق دانيال فيه متفحصًا كل كلمة.
«والآن أصبحت تركض في الماراثونات، أليس كذلك؟»
قالها بسخرية جافة.
ابتسم الصبي ابتسامة صغيرة لم تُفقدها التجارب قسوتها:
«ليست ماراثونات… بعد. لكنها تقف… وتخطو… وهذا كان معجزة بالنسبة لنا.»
ظل دانيال صامتًا، تتصارع داخله رغبةٌ مجنونة في التصديق وخوف أعمى من أن يُخدع مرة أخرى. كان عقله يقول: مستحيل. لكن قلبه… قلب الأب الذي بكى آلاف الليالي بصمت… كان يهمس:
ماذا لو كان هذا الأمل الأخير؟
تابع الصبي بهدوء:
«ما تحتاجه صوفي ليس فقط علاجًا طبيًا. بل من يذكّر جسدها بكيفية النهوض. من يوقظ في داخلها ذاكرة الخطوة الأولى. هناك أماكن، وهناك أشخاص… يملكون طرقًا مختلفة.»
اقترب أكثر وهمس:
«وأنا واحدٌ منهم.»
شعر دانيال بقشعريرة تسري في جسده. لم يعرف سببًا واضحًا، لكن الصبي لم يكن يتكلم كطفل. كانت في كلماته خبرة من مرّ بجحيم مشابه.
سأل بنبرة مترددة:
«ما الذي تريده؟ المال؟ الشهرة؟»
هزّ الصبي رأسه بسرعة وكأنه يُنكر تهمة بشعة:
«لا شيء. فقط… دعني أراها. إن استطعنا أن نعيد إليها خطوة واحدة فقط… ستكون البداية.»
نظر دانيال إلى بوابة المستشفى… ثم إلى الصبي.
جميع الأبواب أُغلقت في وجهه. فما الضرر لو فتح نافذة صغيرة؟
تنهد ببطء، وقال بصوت خافت:
«إن خدعتني… أو جرحت ابنتي… سأجعل حياتك جحيمًا.»
ابتسم الصبي بثقة لا تليق بسنّه:
«أنا لا أخدع الآباء يا سيدي. أنا… أُنقذ الأطفال.»
وللمرة الأولى منذ ستة أشهر، لم يشعر دانيال باليأس.
شعور خافت… هشّ… لكنه حقيقي:
أملٌ يعود ليطرق الباب.
. التالي
https://pub153.lamha.news/57726

تم نسخ الرابط