تبادلتُ الأماكن مع أختي التوأم المليئة بالكدمات، وحوّلنا حياة زوجها إلى جحيم لا يُطاق
تبادلت الأماكن مع أختي التوأم المليئة بالكدمات وحولنا حياة زوجها إلى جحيم لا يطاق.
تبادلت الأماكن مع أختي التوأم في ليلة كانت تبدو عادية من الخارج لكنها في داخلي كانت تشبه شرخا يعاد تشكيل حياتنا عنده من جديد. كنا أنا وليزا انعكاسين خرجا من المرايا ذاتها من الجلد نفسه من العظم نفسه من ضحكة خفيفة كانت تبدو دائما أكبر من أعمارنا. غير أن الطريق شقنا إلى نصفين متباينين نصف تعلم الصمت حد الذوبان ونصف تعلم الاشتعال دون إذن.
اسمي نيا أما أختي فهي ليزا.
كانوا يسمونني الجريئة المتهورة المندفعة.
يقول الأطباء إن لدي اضطرابا في السيطرة على الاندفاع بينما يتبادل والداي النظرات وهما يرددان كلمة عنيدة كأن العناد جريمة لا تغتفر. أما ليزا فكانت النسخة الأكثر هدوءا أكثر رقة وأكثر استعدادا لتحمل الألم بصبر يشبه الماء وهو يشق طريقه بين الصخور.
عندما بلغت السادسة عشرة حاول أحد الفتيان إيذاء أختي في زقاق ضيق. لم أفكر لم أعرف التفكير حينها. أمسكت بكرسي كان ملقى قرب المقهى ودفعته بكل ما في ذراعي من غضب. دوى الصوت في الشارع كله والتفتت العيون نحوي كأنني ارتكبت عملا خارقا لا متهورا فقط. بعدها وجدت نفسي تساق إلى مستشفى كريستوود الحكومي ذلك المكان الذي أغلق أبوابه الحديدية علي
تعلمت هناك الانضباط بطريقة لم أتوقعها.
كنت أجري في مكاني حتى تشتعل رئتي وأتمرن على قضبان النافذة كأنني أريد انتزاع قوتي من الحديد نفسه. كنت أقرأ حتى تلتبس الحروف أمام عيني وكأن الكتابة تمنحني تفسيرا للعالم الذي لم يفهمني. صرت معدنا مصقولا لا يسمح لأحد أن يراه ضعيفا.
الصمت في ذلك المستشفى كان ثقيلا مثل غطاء معدني.
والوحدة كانت أثقل مما يمكن لفتاة في عمري أن تحتمله.
لكن ليزا كانت تأتي كل شهر. تدخل بخجل تحمل فاكهة برتقالية اللون تسربت عليها بقع من الارتباك ومعجنات اشترتها بنقود كانت تخجل أن تنفقها. كانت تجلس بجانبي وتخبرني عن تفاصيل صغيرة من حياتها ثم ترحل بسرعة كأنها تخشى أن يأكلها الباب عند الخروج.
ثم تزوجت.
تزوجت رجلا يدعى داريوس رايكس.
عندما رأيته أول مرة كان فكه قويا وعيناه تتقدان بحدة مشوبة بحرص شديد على إخفاء ما بداخله. ابتسامته ضيقة ابتسامة لا تمنح إلا للغرباء. حين نظر إلي لم ير أخت زوجته رأى نسخة لا يريد التعامل معها. وحين نظر إلى ليزا رأى نظاما يظن أنه قادر على التحكم به.
قالت ليزا وهي تمسك يده بخجل مرتبك
إنه رجل ثابت سيحافظ علي.
كانت ابتسامتها ترتجف كشمعة تحاول الثبات في مهب ريح.
كنت أريد أن أصرخ.
أردت أن أخبرها أن الرجال
ولا يعودون بروائح دخان وأعذار واهية.
ولا يرمون كلمات نابية في وجه امرأة تحاول أن تحيا بسلام.
لكن كلماتي في المستشفى كانت بلا وزن مجرد ورقة تطفو فوق موج هائج.
ومع مرور السنوات بدأت ليزا تتلاشى.
كانت تنكمش كما تنكمش الأوراق تحت المطر.
تأتي بملابس طويلة تخفي ما لم تكن قادرة على وصفه.
وفي مرة جاءت وهي تضع مساحيق رخيصة على وجهها كأنما تخفي فتقا في روحها قبل جلدها فهمت أن شيئا انكسر ولن يصلحه طبيب ولا معالج.
قالت بصوت متعب كأن الكلمات تجرجر من صدرها جرا
إنه يعاملني بقسوة وسكاي أيضا.
سكاي طفلتها الصغيرة.
طفلة في الثالثة من عمرها تتلعثم حين تتحدث ويرتعش كتفاها حين يعلو صوت في المنزل.
كان ذلك كافيا لتحويل دمي إلى حجر.
قلت لها بهدوء يشبه صرير السكاكين
احكي لي كل شيء.
وعندما فتحت فمها خرج الحزن كله دفعة واحدة
مشاكل مالية توتر متصاعد كلمات جارحة أم متسلطة تدعى السيدة بي وابنة عم تدعى ترينا تقلد قسوة الرجال في كل حركة.
وعندما انتهت قلت لها خطتي.
ارتجفت وهي تهمس
لا تفعلي. سيعرفون. لن تستطيعي الخروج.
فنظرت إليها بصلابة لم أملك غيرها في تلك اللحظة وقلت
أنت ستبقين. ستعيشين. ستتنفسين.
دعيهم يظنون أن نيا ما تزال خلف ذلك الباب الحديدي.
أما أنا
وفي تلك الليلة تبادلنا الأماكن.
ليزا دخلت المستشفى بدلا مني.
وأنا خرجت إلى الحياة التي خنقتها لسنوات.
خرجت إلى بيتها.
إلى عالمها.
إلى معركتها التي لم تستطع خوضها.
أردت العدالة لا الانتقام.
أردت أن أهدم الظلم دون أن أحمل سلاحا.
أردت أن أثبت أن العاصفة يمكن أن تكون محسوبة هادئة من الخارج لكن قوتها لا تقاوم.
كان الأمر بسيطا على الورق
ثوب المريضة مقابل فستان باهت.
بطاقة خروج مختومة.
ممرضة تثق أن التوأم ملتصقتان بالحقيقة نفسها.
لكن حين خرجت إلى الشمس أدركت أنني أحمل ثورة كاملة في صدري.
ثورة اسمها ليزا وثورة أصغر اسمها سكاي.
حين وصلت إلى منزل ليزا شعرت أن الجدران تنكمش كأنها تتنفس خوفا. كان البيت ضيقا رطبا تخنقه الأسلاك الممتدة بلا نظام وتنتشر فيه روائح رطوبة قديمة تشبه ما عانته ليزا لسنوات. في الزاوية رأيت سكاي طفلة صغيرة تجلس تحتضن دمية بلا رأس بعيون واسعة تشبه عيني ولكنها فقدت جزءا من طفولتها بسبب الفزع.
دخلت السيدة بي بصوت حاد يخرج كالسهم وتبعها ابنة أخيها ترينا تمسك طفلها جوليان بتهور يليق بقسوة متأصلة. كانوا يقفون أمامي كما يقفون أمام ليزا كل يوم لكنهم في تلك اللحظة لم يعرفوا أن من تخط بابهم لم تكن هي.
وقفت أمامهم
لم أقل شيئا لكن صمتي كان كافيا ليجعل