قبل واحد وعشرين عاما تركني والداي على عتبة بيت جدي وجدتي وقالا إنني جلبت لهما النحس

لمحة نيوز

قبل واحد وعشرين عاما تركني والداي على عتبة بيت جدي وجدتي وقالا إنني جلبت لهما النحس.
اليوم أصبحت مليونيرة ورائدة أعمال وعندما عادوا يتوسلون المساعدة ما فعلته معهم جعلهم يحدقون بي في صدمة صامتة
اسمي كلارا رووين.
اليوم أقف على قمة طريق لم أتخيل يوما أنني سأصل إليه امرأة تشققت قدماها في دروب القسوة حتى صارت رائدة أعمال تذكر قصتها في الصحف وتدرس مشاريعها في الجامعات. أصبحت مليونيرة لا لأن المال كان غايتي بل لأنني لم أسمح لجراح الماضي أن تطفئ جذوة الحياة بداخلي.
لكن أكثر ما لم أتوقعه هو أن يعود الذين تركوني يطلبون مساعدتي.
وحين وقفت أمامهما وفعلت ما فعلته كان الصمت على وجهيهما أبلغ من أي صراخ.
صمت دهشة صمت صفعة صمت حقيقة.
اسمي كلارا رووين.
وآخر مرة رأيت فيها والدي كنت طفلة في التاسعة أقف على شرفة خشبية باردة أمام منزل جدي أضم إلى صدري حقيبة مهترئة ودبا قماشيا بعين واحدة. كانت الريح تلفح وجهي وقلبي يخفق كريشة عالقة بين أصابع العاصفة.
كان ذلك النهار رماديا رماديا من النوع الذي يضغط على الصدر كأن السماء نفسها فقدت القدرة على الشفقة.
لم يلتفتا نحوي وهما ينزلاني من السيارة. لم يمسكا يدي ولم يحاولا حتى أن يبدآ جملة قد أتمسك بها لأفهم ما يحدث.
قالت أمي بصوت ناشف لا حياة فيه
انزلي ستبقين هنا فترة.
ثم أغلق أبي الباب بعنف.
انطلق المحرك وانزلقت السيارة بعيدا دون التفاتة

دون كلمة وداع دون سبب.
وتركا خلفهما طفلة لا تعرف لماذا سقطت فجأة من حضن الحياة إلى هوة لا قاع لها.
طرقت باب الجدين وأنا أرتجف من البرد والخوف.
فتح جدي الباب فتجمدت ملامحه بين دهشة وحيرة وشيء يشبه الألم.
قال بصدمة
كلارا ماذا تفعلين هنا أين والداك
همست بصوت صغير كأنني أعترف بذنب لم أرتكبه
قالا إنني سأبقى هنا.
نظر خلفي إلى الطريق الذي ابتلع السيارة ثم تنفس تنهيدة ثقيلة تنهيدة رجل خسر معركة لم يخضها أصلا.
اقترب مني وقال بصوت خافت منكسر
لا أستطيع مخالفتهم يا صغيرتي
وأغلق الباب.
أغلقه ببطء كأنه يغلق العالم كله في وجهي.
وكان ذلك المشهد أول درس أتلقاه في الهجر
أحيانا لا يطردك أحد بل يتركك فقط خارج الباب.
وقفت وحدي تسع سنوات من العمر وكأنها تسعين.
أرتجف من البرد والصدمة حتى ناداني صوت عجوز من الداخل صوت سيغير مصيري بأكمله.
كانت السيدة لينورا هاينز جارتي العجوز المعلمة المتقاعدة التي كانت تحضر لي الكعك حين كنت صغيرة.
ركضت نحوي لفتني ببطانية دافئة وسحبتني إلى منزلها دون أن تسأل سؤالا واحدا.
كان بيتها يعج برائحة القرفة والكتب القديمة وبدفء لم أعرفه منذ زمن.
ولأول مرة في ذلك اليوم شعرت أنني لست وحيدة.
تحولت الأيام إلى أسابيع ولم يأت أحد ليسأل عني.
لم يتصل أحد.
لم يرسل والداي حتى رسالة واحدة.
ساعدت السيدة هاينز الجهات المحلية على ضمي رسميا إلى رعايتها وكانت أول من قال
لي جملة غيرت حياتي كلها
أنت لست مكسورة يا كلارا أنت فقط تركت من قبل الأشخاص الخطأ.
كبرت وأنا أحمل تلك الجملة كدرع.
في المدرسة كنت الفتاة التي تجلس وحدها التي تحقق أعلى الدرجات دون أن يسمع أحد اسمها في حفلات التكريم.
كنت أكتب رسائل لوالدي في كل مناسبة في عيد ميلادي في الأعياد في كل ليلة أشعر فيها بالفراغ.
أخبرهما أنني أفتقدهما وأنتظر ردا لن يأتي.
وفي إحدى الأمسيات حين بلغت الثالثة عشرة دخلت السيدة هاينز غرفتي وهي تحمل صندوقا صغيرا مليئا بالمظاريف.
فتحت الصندوق.
كانت رسائلي كلها.
جميعها عادت إلي مختومة بختم أحمر
أعيدت إلى المرسل.
في ذلك اليوم توقفت عن الكتابة.
لكن العالم كان يخفي لي صدمة أكبر.
في الخامسة عشرة اكتشفت سرا دفينا
جدتي رحمها الله كانت قد فتحت لي حساب توفير صغيرا عند ولادتي.
وحين بحثت في السجلات اكتشفت أن والدي قد سحبا آخر سنت فيه بعد أسبوعين فقط من تخليهما عني.
حتى الشيء الوحيد الذي خلق لحمايتي سرقاه.
في تلك الليلة جلست على سريري أحتضن دبدوب الطفولة وصوت داخل صدري يهمس
لن أركض خلف محبة أشخاص لا يريدونني.
سأبني حياة لا يستطيع أحد هدمها مجددا.
ومنذ ذلك المساء تغير كل شيء.
في السادسة عشرة حصلت على أول وظيفة تنظيف الطاولات في مطعم صغير بعد المدرسة.
كنت خرقاء أسقط الصحون وأخلط الطلبات لكنني كنت أعمل بجد لا يشبه أحد.
سألني صاحب المطعم السيد كالوم ذات
يوم
لماذا تدفعين نفسك بكل هذا الجهد يا ابنتي
ابتسمت وقلت
لأن لا أحد سيفعل ذلك نيابة عني.
وعندما بلغت الثامنة عشرة كنت قد ادخرت ما يكفي لأدفع رسوم كلية مجتمع صغيرة درست فيها إدارة الأعمال.
لم تكن جامعة مرموقة لكنها كانت بداية حقيقية تخصني.
وخلال دراستي بدأت أبرمج مواقع إلكترونية للمتاجر المحلية وكانت تلك الشرارة الأولى لفكرة ولدت من جرح لكن نمت بحلم.
فكرت في مكان يساعد أطفال الرعاية البديلة الذين يشبهونني مكان يرشدهم يقدم لهم منحا ومأوى ونصحا.
وسميت المنصة اوبن بريدج.
من غرفة ضيقة في مكتبة الجامعة بدأت الحكاية.
بدأت اوبن بريدج كفكرة صغيرة تراودني بين محاضرة وأخرى لكن الإعلام المحلي التقط قصتي سريعا حين نشرت صحيفة عنوانا لفت الأنظار
فتاة مهجورة تنشئ منصة لدعم الأيتام والشباب في الرعاية البديلة.
انتشر الخبر كشرارة في هشيم.
انهالت التبرعات وعرض علي متطوعون من مختلف الولايات تقديم خبراتهم وبدأت رسائل الشباب تصلني بالعشرات ثم بالمئات.
كنت حينها في الرابعة والعشرين أعمل في مكتب صغير يكاد يتسع لمكتبي وحاسوبي لكن قلبي كان يمتلئ بأحلام أكبر من المكان كله.
وعندما جاء مستثمرون يعرضون ملايين الدولارات لشراء المنصة رفضت.
لم أخلق اوبن بريدج من أجل المال بل لأنها الجسر الذي تمنيت يوما لو مده أحد لي.
ومع رفضي للصفقات ازداد احترام الناس لي وازدادت ثقة المجتمع في المشروع حتى
توسع ليصبح أكثر من مجرد منصة أصبح حركة إنسانية.
وفي التاسعة والعشرين كنت أدير
تم نسخ الرابط