بسبب الحب…

لمحة نيوز

بسبب الحب 
قام الأخ والأخت بزيارتهما المعتادة السريعة والواجبة قبل عيد إلى المزرعة الصغيرة حيث يعيش والداهما المسنان مع قطيعهما الصغير من الخيول.
كانت تلك المزرعة هي المكان الذي نشأ فيه الأخوان وسميت مزرعة الصنوبرة الوحيدة لأن صنوبرة ضخمة كانت تعلو التلة خلف المزرعة.
على مر السنين أصبحت تلك الشجرة تميمة للوالدين وعلامة مميزة يعرفها كل من في المنطقة.
كان للأخ والأخت ذكريات جميلة في تلك المزرعة لكن ضجيج المدينة وإيقاعها السريع كان يجذبهما أكثر نحو حياة مختلفة.
لم يعد الوالدان يشاركان في معارض الخيول فقد أثرت فيهما السنون وأصبح الخروج إلى الحظيرة في صباحات الشتاء القارسة أمرا شاقا
لكن ذلك كان يمنحهما سببا للاستيقاظ صباحا وسببا للاستمرار في الحياة.
كانا يبيعان بعض المهرات كل عام وكانت الخيول مصدر بهجتهما صباحا ورضاهما مساء.
وفي يوم الرحيل وبشيء من الغضب واجههما الابنان قائلين
لماذا لا تتخلصان على الأقل من العجوز لقد مرت سنوات منذ أن أنجبت مهرا.
إنها لم تعد ذات فائدة بل عبء ونفقة إضافية!
اختصرا

نفقاتكما لتوفرا لأنفسكما أكثر.
كيف يمكن لتلك الفرس الهرمة أن تجلب لكما شيئا سوى التعب والمصاريف لماذا تحتفظان بها أصلا
نظر العجوز إلى حذائه البالي المثقوب عند الأصابع والممسوح على أرض الحظيرة ثم رفع رأسه وقال بهدوء
وقد وضع ذراعه حول عنق الفرس العجوز ومسح برفق خلف أذنيها
نبقيها بسبب الحب. لا شيء آخر فقط الحب.
اندهش الشابان وانزعجا ثم تمنى الأبوان لهما عيد ميلاد سعيد وغادرا نحو المدينة بينما كان الظلام يزحف عبر الوادي.
هز الوالدان رأسيهما بحزن فقد كانت زيارة غير سعيدة.
انهمرت دمعة على وجنتيهما وتساءلا في صمت
كيف لا يفهم هذان الشابان السلام الذي يملأ قلوبنا حين نحب
وفي خضم ذلك الوداع الحزين لم يلحظ أحد الأسلاك القديمة في الحظيرة وقد بدأ عزلها بالاحتراق.
لم ير أحد الشرارة الأولى إلا الفرس العجوز.
خلال دقائق معدودة اشتعلت النيران في الحظيرة بأكملها وبدأت ألسنة اللهب تلتهم التبن في العلية.
صرخ العجوز برعب وأمر زوجته أن تتصل بالمساعدة بينما ركض نحو الحظيرة لينقذ خيولهما المحبوبة.
لكن النار كانت قد
اشتدت وحرارتها المشتعلة أجبرته على التراجع.
سقط على الأرض باكيا من شدة العجز بينما أسرعت زوجته نحوه واحتضنته بقوة يبكيان خسارتهما معا.
وعندما وصلت فرقة الإطفاء لم يتبق سوى رماد ودخان متوهج
وكان العجوز وزوجته متعبين من الحزن متكئين على بعضهما في صمت أمام الخراب.
رفعاهما عن الأرض المغطاة بالثلج وشكرا رجال الإطفاء إذ لم يكن هناك ما يمكن فعله بعد الآن.
التفت العجوز إلى زوجته وأسند رأسها الأبيض إلى كتفه
ومسح دموعها المرتجفة بمنديله الأحمر الممزق قائلا بصوت متهدج
لقد خسرنا الكثير لكن الله حفظ منزلنا في هذه الليلة من عيد .
فلنستمد القوة ونصعد إلى التل عند شجرة الصنوبر القديمة حيث اعتدنا أن نجد السلوى في أوقات الحزن.
سننظر إلى بيتنا من هناك ونشكر الله لأنه أبقاه لنا ونصلي لأجل أحبتنا الذين فقدناهم.
أخذها بيده وصعدا ببطء عبر الثلج الكثيف.
كان الطريق صعبا على جسديهما الضعيفين لكنهما تابعا حتى وصلا إلى القمة.
وحين تجاوزا التل توقفا مندهشين وركعا على ركبتيهما أمام المشهد العجيب الذي أبهر قلبيهما.
كانت
كل نجوم السماء اللامعة تبدو وكأنها قد تعلقت في أغصان شجرة الصنوبر المكسوة بالثلج
تتألق مثل الشموع السماوية وعلى قمتها كان الهلال الفضي يلمع كزجاج مصقول.
لم يسبق لبشر أن صنع شجرة ميلاد بهذا الجمال.
ضم العجوز زوجته إلى صدره وهما يبكيان الدهشة والرهبة معا.
وفجأة صرخ العجوز بفرح عارم وأمسك يد زوجته بحماس وجرها للأمام.
وهناك تحت الشجرة وسط ضوء خافت وسحابة متوهجة كانت هديتهما في العيد 
كانت القطيع بأكمله آمنا مستلقيا حول الفرس العجوز.
فحين شمت رائحة الدخان دفعت باب الحظيرة بأنفها
وقادت الخيول عبر الثلج إلى خارج النار بخطوات بطيئة وثابتة لا تلتفت أبدا إلى الوراء.
ركضت المهرات بخوف وقفزت الأمهار الصغيرة وهي تنظر إلى النيران المشتعلة
أما الفرسات الحوامل فاقتربن منها مضطربات يستمددن الطمأنينة من هدوئها حتى وصلت بهن إلى قمة التل.
والآن كانت الفرس العجوز مستلقية بينهم تنظر نحو وجهي العجوزين بعينين ذهبيتين تملؤهما المودة.
كان جسدها هشا من العمر متعبا من الرحلة لكنها ما زالت وفية صادقة مفعمة بالحب.

لقد قدمت لهما أغلى هدية
بسبب الحب.
فقط بسبب الحب.

تم نسخ الرابط