في ظهيرة يوم سبت، سمعت جرس الباب. حين فتحت، وجدت أمامي ولدين

لمحة نيوز

في ظهيرة يوم سبت سمعت جرس الباب.
حين فتحت وجدت أمامي ولدين في نحو الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر يحملان مكانس أوراق شجر تبدو أكبر من حجميهما.
قال لي الأطول منهما بتردد
عذرا يا سيدي هل ترغب أن نكنس فناءك سننظف الساحة كلها مقابل عشرة دولارات.
نظرت إلى الحديقة. كانت مغطاة بالأوراق الجافة. عمل كبير يحتاج على الأقل إلى ساعتين أو ثلاث من الجهد.
سألت
عشرة دولارات لكل واحد منكما
تبادلا النظرات ثم هز الأقصر رأسه قائلا
لا يا سيدي عشرة دولارات معا. سنقسمها بيننا.
خمسة دولارات لكل واحد مقابل ساعات من العمل الشاق.
كان بإمكاني أن أوافق وأحصل على عمل كبير بثمن زهيد.
لكن الطريقة التي وقفا بها بأدب وبأمل واستعداد للعمل ذكرتني بنفسي حين كنت في عمرهما أبحث فقط عن فرصة.
قلت لهما
حسنا اتفقنا. ابدآ العمل.
على مدى ساعتين ونصف وقفت عند النافذة أراقب الصبيين وهما يعملان بجد نادر في هذا الزمن. لم يكن بينهما حديث كثير سوى كلمات قصيرة ينسقان بها ما ينبغي فعله لكن حركتهما المتناغمة كانت تروي حكاية أخرى حكاية طفلين تعلما

أن المسؤولية تبدأ حين تعطى الفرصة.
كانا يجمعان الأوراق المتناثرة تحت أشجار الحديقة الكبيرة يكدسانها في أكياس القمامة كما لو كانا يرفعان عبئا أكبر من حجميهما. لم يتكاسلا لحظة لم يتوقفا ليستريحا ولم يشتكيا من حرارة النهار أو خشونة العمل. بل على العكس بدا عليهما كأنهما يحاولان إثبات شيء ما للعالم أو ربما لأنفسهما.
ولم يقتصر جهدهما على ما طلبته منهما فقد لاحظت أنهما نظفا الممر المؤدي إلى باب البيت ومسحا الحواف الحجرية التي عادة لا يلتفت إليها أحد. كانا يعملان بضمير نقي وكأنهما يحملان في صدريهما قناعة تقول إن الإتقان لا يطلب بل يبادر إليه.
وحين طرقا الباب مرة أخرى ليخبرا بأنهما انتهيا رأيت العرق يتصبب من جبينهما وملابسهما الخفيفة ملطخة بآثار التراب. لكن ما شدني لم يكن التعب بل تلك الابتسامة الصغيرة الثابتة التي لا يعرفها إلا من يعطي كل ما يستطيع ثم يشعر بالراحة لأنه لم يقصر.
فتحت الباب وخرجت إليهما بمحفظتي وقلت بنبرة صادقة
لقد أنجزتما عملا رائعا يا ولدان.
ثم أخرجت أربع أوراق نقدية من فئة العشرين دولارا ثمانين
كاملة ومددتها نحوهما قائلا
هذا أجركما المستحق.
اتسعت عينا الصبي الأطول كأنه رأى شيئا غير مألوف وقال بارتباك
لكن يا سيدي اتفقنا على عشرة دولارات فقط.
تقدم خطوة صغيرة كأنه يخشى أن يسيء الفهم أو يسيء الأدب وأضاف بصوت خافت
هذا كثير جدا.
ابتسمت لهما وقلت
أعلم ما اتفقنا عليه لكنني أعلم أيضا أن العمل الجيد له قيمة. أنتما لم تعملا عشر دقائق أنتما اجتهدتما لساعتين ونصف وأضفتما فوق ذلك ما لم يطلب منكما. وهذا يستحق الثناء قبل المال ويستحق الأجر العادل أيضا.
نظر كل منهما إلى الآخر وكأنهما يتأكدان أن اللحظة حقيقية ثم مد الأقصر يده بتردد وقال وقد غلبه التأثر
شكرا لك حقا شكرا.
مشيا مبتعدين بخطوات سريعة لكنهما لم يستطيعا إخفاء الحماس في أصواتهما وهما يتبادلان الحديث عن الأشياء الصغيرة التي يحلمان بشرائها وعن الشعور الغريب والرائع عندما يكافأ الإنسان على جهده بحق.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئا لم أدركه من قبل بهذه الوضوح
نحن نعلم الأطفال كثيرا عن أهمية الاجتهاد ونكرر على مسامعهم أن العمل الجاد يبنى به المستقبل لكننا في الواقع
ننسى أحيانا أن نظهر لهم بصورة ملموسة أن هذا الجهد مقدر وأن العالم قد يكون عادلا حين يقابل الإخلاص بروح الكرم والاعتراف.
هذان الصبيان لم يأتيا يطلبان صدقة. لم ينتظرا مساعدة. بل عرضا أن يعملا ثم عملا بضمير وصدق وإتقان. كان من واجبي أن أترك في قلبيهما أثرا طيبا أثرا يقول إن التعب لا يضيع وإن الأيدي الصغيرة التي تجتهد اليوم ستكبر يوما وستتذكر أن أحدهم قدرها حين كانت في بداية الطريق.
والحقيقة أن هذا الدرس ليس للأطفال وحدهم بل لنا نحن أيضا نحن الذين نمر أحيانا بجانب من يعمل بصمت فلا نلقي بالا. العمل الجاد لا يجب أن يكون خفيا ولا يجب أن يظل بلا تقدير. فحين تقدر جهد شخص صغيرا كان أو كبيرا فإنك لا تكافئه فقط أنت تعلمه قيمة نفسه.
وإذا كان هناك شيء تعلمته من تلك اللحظة البسيطة فهو أنك إن
عملت بإخلاص ولو في مكان لا يراك فيه أحد فاعلم أن الله يراه وأن الناس عاجلا أو آجلا سيرون أثر هذا الإخلاص فيك وسيكافئونك عليه.
وهذه ليست مجرد قصة
بل تذكير بأن العطاء لا يضيع وأن الإتقان يثمر دائما وأن أجمل مكافأة في الحياة هي أن
يشعر الإنسان بأن جهده كان مرئيا.

تم نسخ الرابط