اسمي جوليو. عمري أربع وسبعون سنة
اسمي جوليو.
عمري أربع وسبعون سنة، وقد عشت في نفس المبنى السكني في أطراف المدينة لأكثر من أربعين عامًا.
كنتُ ساعي بريد — أحمل الرسائل والفواتير والبطاقات البريدية من زاويةٍ إلى أخرى في الحي.
أما الآن، فركبتاي تطلبان الرحمة، وأقضي أيامي جالسًا عند النافذة، أراقب العالم وهو يمرّ من تحتي.
أعرف كل الوجوه، وكل العادات: الأطفال الذين يركضون إلى المدرسة، الأمهات المستعجلات بحقائب التسوّق، من يتمشّى مع كلبه، والعائدين إلى منازلهم بملامح متعبة.
في الشتاء الماضي، انتقلت شابة تُدعى إيلينا إلى الشقة المقابلة لي، برفقة ابنها ماتيو.
كانت في حوالي الثلاثين — دائمًا على عجل، شعرها مربوط بسرعة، ووشاحها ملقى على كتفيها بلا ترتيب.
أما ماتيو، فكان طفلًا هادئًا بعينين كبيرتين كأنهما تلتقطان كل شيء.
وفي الليل، عندما يسود الصمت في المبنى وتفرغ الشوارع، كنت أسمع أحيانًا بكاءها.
بكاء خافتًا، مكتومًا، وكأنها لا تريد لأحد أن يسمع.
تكرر ذلك ثلاث ليالٍ متتالية، وكان صوتها يشد شيئًا داخلي — كأن حزنها يحاول أن يعبر الجدار إليّ.
كنت أرغب في التحدث إليها، لكنني لم أكن أعرف من أين أبدأ.
أنا لم أكن بارعًا في الكلام أبدًا. كنت دائمًا أُوصل الكلمات… لا أكتبها.
ثم تذكّرت تيريزا، زوجتي الراحلة.
كانت، عندما أعود من العمل متعبًا، تترك لي ملاحظات صغيرة في كل مكان: على الطاولة، على منضدة السرير، وحتى داخل الثلاجة.
عبارات مضحكة، ونكات بسيطة.
مرة كتبت لي:
“ماذا تفعل النحلة في صالة الرياضة؟ زومبا!” 🐝
كانت تضحك كفتاة صغيرة، وحتى عندما لم يكن لدي مزاج للضحك، كنت أضحك رغمًا عني.
وفي صباح أحد الأيام، أخذت ورقة صغيرة وكتبت عليها:
“ما اسم الكلب السحري؟ لابرَكادابرادور.”
طيّيتها، ومررتها تحت باب شقة إيلينا، وعدت إلى منزلي وأنا أشعر بالغباء قليلًا…
في اليوم التالي، اختفت الورقة.
لم يصلني أي رد.
جربت مرة أخرى:
“لماذا لا يستطيع الطماطم النوم؟ لأنه في سلطة روسيّة!”
ولا شيء.
محاولتان، وصمتان. كنت على وشك أن أستسلم.
ثم، في صباحٍ آخر، وجدت ورقة تحت بابي.
الخط كان كبيرًا وغير متقن:
“ماذا يفعل القط عندما تمطر؟ يحصل على فروٍّ من الوزّ!”
موقّعة باسم: ماتيو.
وكانت هناك أيضًا رسمة لقطٍّ تحت المطر.
ضحكت لنفسي، مثل عجوزٍ مجنون… لكن قلبي امتلأ دفئًا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت لعبة.
أترك نكتة — فيردّون عليّ.
ثم انضمّت روزا، السيدة من الطابق الثاني:
“ما أكبر مفارقة عند البستاني؟ أن تكون له جذور مربعة!”
ثم باولو، المتقاعد من كشك الصحف:
“ماذا يفعل الكتاب في الإجازة؟ يذهب ليقرأ الشمس.”
تحوّل الممرّ إلى عالم صغير ملوّن:
الأطفال يرسمون، والمراهقون يكتبون الألغاز، والأبواب
توقّفت إيلينا عن البكاء.
وكان ماتيو يلوّح لي من ساحة البناية وهو يصيح:
“عندي واحدة جديدة لك!”
الناس الذين كانوا يمرّون بسرعة صاروا يتوقفون، يتحدثون، ويضحكون.
وعندما بدأت الشمس تدفئ الجدران، بقيت الأبواب مفتوحة، وصار الهواء يحمل رائحة الحياة المشتركة.
بالطبع، بقيت المشكلات كما هي: فواتير يجب دفعها، وأعمال يصعب إيجادها.
لكن شيئًا تغيّر.
خفّة جديدة حلّت في أيامنا — شرارة وُلدت من ورقة مطوية صغيرة.
قبل أيام، وجدت ورقة ملوّنة تحت بابي.
تُظهر رجلًا مسنًّا بابتسامة كبيرة يُقدّم شمسًا لطفل.
وفوقها مكتوب بخطّ كبير:
“شكرًا على النور.”
موقّعة: ماتيو.
تعلّقت تلك الرسمة الآن بجوار نافذتي.
أنظر إليها كل يوم.
وإذا رآها أحد، لعلّه يفهم.
هل لديك قلم؟
ورقة؟
شخص قريب يبدو أن ثقل الحياة أثقل من أن يحمله وحده؟
اترك له رسالة.
لا تحتاج
يكفي أن تقول: “أنا أراك.”
أحيانًا، يكون هذا هو النور الوحيد الذي نحتاجه.