قصة الوريث الذي لم يتوقّعه أحد
قصة الوريث الذي لم يتوقعه أحد
أخذوه إلى طابق كبار العملاء بخطوات محسوبة واتزان لا يتقنه إلا أولئك الذين تعلموا كيف يخفون دهشتهم تحت أقنعة الصمت كان المكان يشبه معبدا للأثرياء رخام يلمع كمرآة وسجاد يمتص الأصوات حتى تبدو الحركة فيه كأنها تنزلق فوق الهواء تبادل الموظفون نظرات خفية من النوع الذي يحمله الرجال حين يتهيأون لمشاهدة مشهد لا يتكرر شيء بين التسلية والتوقع وكأنهم كانوا يعرفون مسبقا أن وجود طفل بثياب باهتة في هذا المكان اللامع حدث غير مألوف
شعر نواه بثقل النظرات تحاصره من كل زاوية ورأى يدا تمسك بكوب زجاجي باهظ كأن صاحبه يخشى أن تنكسر هيبته قبل أن ينكسر الكوب وجاءته ضحكة خافتة من طرف الصالة حادة قصيرة كأنها سكين تجرب حدها في هذا الطابق لا يأتي الأطفال وحدهم أبناء أصحاب النفوذ يجيئون بصحبة محامين ومساعدين لا يرتدون هوديات زرقاء باهتة ولا يحملون ملفات مختومة أكل الزمن أطرافها
اقترب منه المدير رجل طويل القامة يختال ببذلته كأنها امتداد لسلطته وقال بصوت متعال يقطر بفتور متعمد
يا صغير ما الذي تفعله هنا بالضبط
كان اسمه ويتيكر اسم له وقع خاص تماما كبذلته التي بدت أشبه بكتلة مال معلقة على كتفيه لم يبد أنه يتحدث مع طفل بل مع خطأ إجرائي تسلل إلى الطابق الخطأ
مد نواه الملف عبر الطاولة بحركة محسوبة لا تشبه أعمار الأطفال بل تشبه رجلا يعرف أن الورق بين يديه ليس ورقا بل حياة كاملة قال بصوت ثابت هادئ وكأنه يحاول أن يمنع ارتجافا
جدي فتح حساب توفير يوم ولدت طلب مني أن آتي إلى هنا وقد مات الأسبوع الماضي
انطفأت الضحكات فجأة كما لو أن أحدهم أطفأ الأنوار في غرفة كانت مليئة بثرثرة لا تنتهي ابتعد بعض الرجال عن شاشاتهم وتحولت نظراتهم من التسلية إلى اهتمام صامت بدا أن الصبي ذو العينين الجادتين قلب شيئا في الجو
ارتجفت ابتسامة ويتيكر وتحولت نبرة صوته إلى سؤال منزوع السخرية
أي حساب تقصد
ابتلع نواه ريقه وقال
الحساب أصبح الآن باسم أمي جدي قال لي أن آتي إلى السيد ويتيكر خصيصا
أخذ المدير الأوراق بيد واثقة لكنه قلب الصفحات كمن يتوقع العثور على مصروف طفل أو بقايا نقود لم يستخدمها أحد ضغط أزرار لوحة المفاتيح وتوقفت أصابعه فجأة فوق الأزرار كأنها هي أيضا تساءلت لحظة هل ما تفعله الآن خطأ لا ينبغي الاقتراب منه
تردد همس في المكان أحدهم قال بخفة
ربما ألف دولار أو عشرون ألفا
لكن وجه ويتيكر تغير
صار صامتا جامدا مثل حجر الشاشة بدت فارغة للحظة طويلة وكأن النظام نفسه احتاج وقتا ليستوعب الرقم الذي يحاول عرضه ثم ظهرت البيانات وارتجفت أصابع المدير الرجل الذي لم يعرف الارتجاف يوما
رفع عينيه إلى نواه وقال بصوت فقد نبرة غروره
أحتاج أن أتحدث معك على انفراد
تقدم مديران آخران واصطحباه إلى غرفة جانبية مضاءة بمصباح يصنع دوائر ذهبية فوق طاولة خشبية بلون القهوة المعتقة جلس رجل ذو شعر فضي خلف الطاولة وعليه مسحة وقار لا تتخللها
بعد دقائق دخلت امرأة تحمل حقيبة ضخمة كأنها تختزن مدينة بكاملها كانت ليندا غريفز محامية بملامح ثابتة لها حضور يفرض الاحترام دون عناء عرفت نفسها بمهنية باردة ثم فتحت ظرفا مختوما بالشمع دون أن ينتظر أحد منها الإذن بذلك كان المشهد كله يبدو كأنه طقس رسمي لفتح وصية ملك
قرأت ببطء بصوت يحمل وقع أحجار ترص في جدار جديد
إلى حفيدي العزيز إن وصلتك هذه الرسالة فذلك لأنني وثقت بقوتك أكثر مما وثقت بزمن لم يرحمني الحياة التي عشتها لم تكن بسيطة وأعتذر إن ورثتك منها شيئا غير النقاء أمامك ثلاثة طرق
سردت الخيارات واحدا تلو الآخر
السيطرة الكاملة على الثروة فورا بما فيها من نور وهاوية
الحماية القانونية حتى يبلغ نواه الحادية والعشرين
أو رفض الإرث والعودة إلى حياة بسيطة بلا تبعات
ثم قالت بصوت انخفض حتى كاد يصبح همسا
الطريق الذي تختاره سيصنع الرجل الذي ستصبحه
جف فم نواه شعر بيده تشد المفتاح النحاسي الذي وجده في الملف حتى انغرز في راحته كان على وشك اختيار الخيار الثاني حياة آمنة بعيدة عن صخب المليارات
لكن الباب انفتح بقوة كأن أحدهم ضربه بقبضة غاضبة
ارتجف المصباح وتوقفت أنفاس الجميع
دخل رجل يلهث شعره أطول مما يجب وقميصه عليه بقع تراب وكأنه ركض من طرف المدينة إلى قلبها بدا غريبا تماما عن المكان دخيلا على عالم الياقات
ثم التقت عيناه بعيني نواه
وهدأ كل شيء
قال بصوت مكسور كمن يخرج من تحت ركام سنوات طويلة
لا تنظر إلى الشاشة أرجوك ليس بعد
وفي اللحظة التالية اندفعت امرأة خلفه كأن الريح تحملها كانت إميلي كارتر بشعر مبلل من العرق ودموع لا تسعها عيناها صاحت
نواه!
ثم انقطع صوتها
نهض نواه واقفا شعر بالعالم ينسحب من حوله ويتجمع في تلك اللحظة فقط
تنفس الرجل بصعوبة وقال باسمه كأنه يحاول استعادته من الماضي
أنا والدك
تجمد الزمن حول نواه وكأن الهواء نفسه فقد القدرة على الحركة كان ينظر إلى الرجل الواقف أمامه الرجل الذي قيل له يوما إنه غاب ليحميه وإن الغياب أحيانا علامة محبة لا هشاشة لكن نواه كان صغيرا حينها صغيرا بما يكفي ليصدق القصص وكبيرا بما يكفي ليشعر بالفراغ الذي تركه ذلك الغياب خلفه
همس بصوت لا يشبه صوته هشا مضغوطا بين الخوف والرجاء
إلى أين ذهبت
كان السؤال يحمل كل سنواته يحمل ليال نام فيها وهو يعانق مفتاحا نحاسيا لا يعرف سره ويحاول إقناع نفسه أن هناك جوابا ينتظره في مكان ما
تنفس الرجل مارك كارتر كمن يتعلم التنفس من جديد وقال بصوت مبحوح
هربت
لم تكن الكلمة مجرد اعتراف بل دما يخرج أخيرا من جرح ظل مختبئا
أكمل ونظره يتنقل بين الأرض والباب ووجه ابنه
هربت لأن روبرت والدك جدك كان يعرف أن هناك رجالا سيأتون سرقوا منه ما سرقوا وطارده من لا يعرف