لم تستطع أي خادمة أن تصمد يومًا واحدًا مع توائم الملياردير الثلاثة
لم تستطع أي خادمة أن تصمد يوما واحدا مع توائم الثلاثة في ذلك القصر المهيب لا لأن الأطفال اعتادوا التمرد فقط بل لأن الألم المقيم بين جدرانه كان أكبر من أن تتحمله قلوب بشر اعتادوا العمل لا الاستشفاء. ففي قلب نيويورك على بعد شوارع قليلة من أكثر الأبراج بريقا كان قصر آل ويتاكر يقف شامخا كأنه قطعة فاخرة لا يليق بها سوى السكون إلا أن العاصفة التي سكنت داخله جعلت جماله نقمة وثروته عبئا والحياة فيه سلسلة لا تنتهي من المواجهات.
كانت عائلة ويتاكر معروفة بالثراء الفاحش والانضباط الحاد غير أن السنوات الأخيرة محت كل ذلك. سبع عشرة مربية دخلن القصر خلال ستة أشهر فقط وسبع عشرة مربية خرجن منه باكيات أو راكضات أو حائرات بعد أن فقدت كل واحدة منهن قدرتها على التحمل أمام ثلاثة توائم في السادسة من العمر تومي وداني وبوبي صبية صغار لكن داخلهم عاصفة من الحزن والتمرد لا تشبه ما يراه الناس من شغب الأطفال المعتاد.
كثيرون قالوا إن اللعنة لحقت بالمنزل بعد وفاة والدتهم سارة في حادث مروع. منذ ذلك اليوم لم يعرف البيت الهدوء ولم تعد جدرانه تحفظ إلا صدى صرخات الصغار ووقع الفوضى التي تفسد كل شيء. الأثاث الثقيل كان يقلب كأن عاصفة مرت به اللوحات النادرة امتلأت بخطوط طلاء عشوائية والمطبخ صار ساحة لثورات طعام تنتهي بسكر وشراب مسكوب على الأرض والسقف
ومع ذلك لم تكن الفوضى هي ما أرعب المربيات بل ذلك الوميض الحزين المكسور في العيون الزرقاء للتوائم تلك النظرة التي تشبه أبوابا موصدة تخفي خلفها خوفا عميقا لا يمكن الوصول إليه. كان تومي الأكبر بين إخوته بدقائق يقف في وجه أي مربية تدخل البيت معلنا الحرب من اللحظة الأولى
لن نجعلكم تحبوننا! نريد أمنا لا أحد غيرها!
لم يكن صراخه تعبيرا عن الكراهية بل عن عجز طفل يبحث عن يد لم تعد موجودة. أما جون ويتاكر الأب الثري الذي بنى شركات عملاقة من الصفر فقد بدا عاجزا أمام الفوضى التي اجتاحت بيته وأبناءه. كان يخبر مساعده في لحظات يأس خانقة
شيدت إمبراطورية هائلة لكنني لا أستطيع إصلاح أبنائي.
ثروته التي تجاوزت ملياري دولار لم تتمكن من شراء الاستقرار النفسي ولا من سد الفراغ الذي تركته زوجته. ومع تساقط المربيات واحدة تلو الأخرى صار القصر كأنه بوابة دوارة لا تغلق يدخلها الناس ويغادرونها محملين بالإرهاق والارتباك. حتى وكالات التوظيف توقفت عن إرسال العاملات وبعضهن كتب تقارير رسمية تفيد بأن الأطفال غير قابلين للتعامل وأنهم مهددون نفسيا.
تدهورت سمعة الأسرة وبدأت الخدمات الاجتماعية تراقب الوضع بقلق. وفي أعماق قلبه كان جون يجلد نفسه فزوجته ماتت وهي تشتري له هدية عيد ميلاده. ذلك التفصيل وحده كان كافيا ليشعر بأنه سبب ما جرى
وسط هذا الانهيار ظهرت بيليندا جونسون امرأة سمراء في الثلاثين من عمرها لا تمتلك شهادات مرموقة ولا تدريبات متقدمة بل تملك خبرة عمر تشكل من الألم. فقدت والديها في حريق وهي طفلة في السابعة وانتقلت من بيت لآخر ومن دار رعاية لأخرى. كانت تعرف شعور أن ينتزع الإنسان فجأة من عالمه وأن يضطر لبناء حماية صلبة حول قلبه كي لا ينكسر مجددا.
حين قرأت إعلان العائلة لم تفكر في الراتب ولا في فخامة القصر بل في شيء آخر. همست لنفسها
هؤلاء الصغار لا يحتاجون إلى مربية بل إلى من يرى ما تحت الفوضى.
تقدمت بطلبها بلا وعود وردية. لم تقل إنها ستعيد النظام ولم تدع أنها ستجعل الأطفال مثاليين. وعدت بشيء واحد فقط
أن تبقى.
أن تسمع.
أن لا تهرب.
وفي صباح يومها الأول دخلت القصر بخطوات ثابتة رغم الرهبة التي تحيط بالمكان. وجدت غرفة المعيشة كأن إعصارا مر بها طلاء على الجدران ريش متطاير ألعاب محطمة وثلاثة صبية يقفون كمحاربين صغار ينتظرون معركتهم الجديدة.
صرخ تومي
لا نريد مربية جديدة! نريد أمنا!
لكن بيليندا لم تخفض نظرها ولم تتراجع خطوة. لم تصرخ لم تهدد ولم ترفع حاجبيها استنكارا. بل تقدمت نحوهم ببطء ثم قالت بصوت ثابت يتسلل مباشرة إلى القلب
لن أكون أمكم ولا أريد أن أخذ مكانها. أنا هنا لأنني أعرف كيف يشعر
تجمد التوائم.
لم يسمعوا كلمات مشابهة من قبل.
كانت كل المربيات يتحدثن عن النظام والقواعد لا عن الألم.
للمرة الأولى تراجع الغضب قليلا.
لم تكن طريقة بيليندا تشبه أحدا. حين بدأوا حرب الطعام ضحكت معهم قبل أن تدعوهم لتنظيف المكان معا. وحين جربوها بالصراخ والبكاء لم تنهر بل جلست على الأرض قربهم تتركهم يصرخون حتى يهدأوا ثم تتحدث إليهم عن طفولتها عن خوفها عن وحدتها. كانت تخبرهم
كنت أبعد الناس عني كي لا أفقد أحدا من جديد لكنني كنت مخطئة. بقيت وحدي.
كانت تقدم القصص بدلا من التوبيخ والكوكيز بدلا من العقاب وملامح الصبر بدلا من الغضب. شيئا فشيئا بدأت القلوب الصغيرة تتخلى عن أسوارها العالية.
لكن القصة لم تكن قد بدأت بعد
مع مرور الأسابيع الأولى بدأت ملامح التغيير تظهر داخل القصر لكن الظلال القديمة لم تكن لتغادر بسهولة. ففي ذروة هذا التحسن البطيء اندلعت أزمة إعلامية هزت البيت من جديد. عناوين الصحف والمواقع امتلأت بصور القصر وتعليقات جارحة
أطفال الملياردير التوائم الذين لا يمكن السيطرة عليهم!
مربيات يهربن من قصر ويتاكر!
ظهرت شهادات قديمة لمربيات سابقات تحدثن عن سلوك خطير وعنف غير مبرر ويأس تام من الإصلاح. تحولت القصة إلى مادة دسمة للمتابعين وبدأ الناس يتهامسون حول مستقبل الأطفال وإمكانية تدخل الدولة.
داخل القصر عم الخوف المكان